تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
حد الدنيا فكل حد فرض اللّه عقوبته في الدنيا ، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه اللّه بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة . وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك . وقوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ
أي رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها كقوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[ الزمر : 53 ] وقوله تعالى :
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
أي هو بصير بكم عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي تصدر عنكم ، وتقع منكم حين أنشأ أباكم من الأرض ، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر ثم قسمهم فريقين : فريقا للجنة وفريقا للسعير . وكذا قوله :
وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ؟ قال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط ، وكنا فيمن بقي ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك ، وكنا فيمن بقي ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك ، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك ، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا لا أبالك فماذا بعد هذا ننتظر ؟ رواه ابن أبي حاتم عنه . وقوله تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
أي تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
كما قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
[ النساء : 49 ] . وقال مسلم في صحيحه : حدثنا عمرو الناقد ، حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن هذا الاسم وسميت برة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تزكوا أنفسكم إن اللّه أعلم بأهل البر منكم » فقالوا : بم نسميها ؟ قال : « سموها زينب » « 1 » وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 2 » حيث قال : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال : مدح رجل رجلا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ويلك قطعت عنق صاحبك - مرارا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا واللّه حسيبه ولا أزكي على اللّه أحدا ، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك » « 3 » ثم رواه عن غندر عن شعبة عن خالد الحذاء به ، وكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة من طرق عن خالد الحذاء به . وقال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا : أخبرنا سفيان عن منصور عن
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الآداب حديث 16 ، 17 . ( 2 ) المسند 5 / 41 ، 45 ، 46 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 54 ، 95 ، ومسلم في الزهد حديث 65 ، وأبو داود في الحدود باب 23 . ( 4 ) المسند 6 / 5 .