لما ذكر تعالى حال السعداء ثنى بذكر الأشقياء فقال :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ
أي ساعة واحدة
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
أي آيسون من كل خير .
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ
أي بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجج عليهم . وإرسال الرسل إليهم ، فكذبوا وعصوا فجوزوا بذلك جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد .
وَنادَوْا يا مالِكُ
وهو خازن النار . قال البخاري « 1 » : حدثنا حجاج بن منهال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ على المنبر
وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
أي ليقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه فإنهم كما قال تعالى :
لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها
[ فاطر : 36 ] وقال عز وجل :
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
[ الأعلى : 11 - 13 ] فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك
قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
قال ابن عباس : مكث ألف سنة ثم قال : إنكم ماكثون رواه ابن أبي حاتم أي لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها ثم ذكر سبب شقوتهم ، وهو مخالفتهم للحق ومعاندتهم له فقال :
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ
أي بيناه لكم ووضحناه وفسرناه
وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
أي ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه ، وإنما تنقاد للباطل وتعظمه ، وتصد عن الحق وتأباه وتبغض أهله ، فعودوا على أنفسكم بالملامة . واندموا حيث لا تنفعكم الندامة .
ثم قال تبارك وتعالى :
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
قال مجاهد : أرادوا كيد شر ، فكدناهم « 2 » وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
[ النمل : 50 ] وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه ، فكادهم اللّه تعالى ورد وبال ذلك عليهم ، ولهذا قال :
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ
أي سرهم وعلانيتهم
بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
أي نحن نعلم ما هم عليه والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها .
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 81 إلى 89 ]
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ( 81 ) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 82 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 83 ) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 84 ) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 85 )
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 86 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 ) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 )
هامش
( 1 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة الزخرف .
( 2 ) انظر تفسير الطبري 11 / 214 .