تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
ظنوا أنها منجاة لهم شيء ، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة لشرع اللّه . فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل ، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين ، وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ ، ولهذا قال تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
قال مجاهد والثوري
وَقَدِمْنا
أي عمدنا ، وكذا قال السدي ، وبعضهم يقول : أتينا عليه . وقوله تعالى :
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي اللّه عنه في قوله
هَباءً مَنْثُوراً
قال : شعاع الشمس إذا دخل الكوة ، وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي وروي مثله عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي والضحاك وغيرهم ، وكذا قال الحسن البصري : هو الشعاع في كوة أحدهم ، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
هَباءً مَنْثُوراً
قال : هو الماء المهراق . وقال أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي
هَباءً مَنْثُوراً
قال : الهباء رهج الدواب ، وروي مثله عن ابن عباس أيضا والضحاك ، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وقال قتادة في قوله
هَباءً مَنْثُوراً
قال : أما رأيت يبيس الشجر إذا ذرته الريح ؟ فهو ذلك الورق . وقال عبد اللّه بن وهب : أخبرني عاصم بن حكيم عن أبي سريع الطائي عن يعلى بن عبيد قال : وإن الهباء الرماد إذا ذرته الريح ، وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية ، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شيء ، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا إذا إنها لا شيء بالكلية ، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية ، كما قال تعالى
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
[ إبراهيم : 18 ] الآية . وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
- إلى قوله -
لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
[ البقرة : 264 ] وقال تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
. [ النور : 39 ] وتقدم الكلام على تفسير ذلك ، وللّه الحمد والمنة . وقوله تعالى :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
أي يوم القيامة
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ
[ الحشر : 20 ] وذلك أن أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات والغرفات الآمنات ، فهم في مقام أمين حسن المنظر طيب المقام
خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً
[ الفرقان : 76 ] وأهل النار يصيرون إلى الدركات السافلات ، والحسرات المتتابعات ، وأنواع العذاب والعقوبات
إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً
[ الفرقان : 66 ] أي بئس المنزل منظرا ، وبئس المقيل مقاما ، ولهذا قال تعالى :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
أي بما عملوه من الأعمال المتقبلة نالوا
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 94 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين