تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها . قال الأعمش عن خيثمة : كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود ، كل مفتاح مثل الإصبع ، كل مفتاح على خزانة على حدته ، فإذا ركب حملت على ستين بغلا أغر محجلا « 1 » ، وقيل غير ذلك ، واللّه أعلم . وقوله :
إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
أي وعظه فيما هو فيه صالحو قومه ، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد : لا تفرح بما أنت فيه ، يعنون لا تبطر بما أنت فيه من المال ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
قال ابن عباس : يعني المرحين . وقال مجاهد : يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون اللّه على ما أعطاهم . وقوله :
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
أي استعمل ما وهبك اللّه من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات ، التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة
وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
أي مما أباح اللّه فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح ، فإن لربك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، ولزورك عليك حقا ، فآت كل ذي حق حقه
وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
أي أحسن إلى خلقه ، كما أحسن هو إليك
وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ
أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض ، وتسيء إلى خلق اللّه
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
.

[ سورة القصص ( 28 ) : آية 78 ]

قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) يقول تعالى مخبرا عن جواب قارون لقومه حين نصحوه ، وأرشدوه إلى الخير
قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
أي لا أفتقر إلى ما تقولون ، فإن اللّه تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه ولمحبته لي ، فتقديره إنما أعطيته لعلم اللّه فيّ أني أهل له ، وهذا كقوله تعالى :
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ
[ الزمر : 49 ] أي على علم من اللّه بي ، وكقوله تعالى :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي
[ فصلت : 50 ] أي هذا أستحقه . وقد روي عن بعضهم أنه أراد
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
أي أنه كان يعاني علم الكيمياء ، وهذا القول ضعيف ، لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل ، لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا اللّه عز وجل ، قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
[ الحج : 73 ] . وفي الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقول اللّه تعالى : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فليخلقوا ذرة ،
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 10 / 101 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 228 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين