تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
فقبحهم اللّه ، كما قال
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ *
[ الرعد : 32 ] الآية . وقوله تعالى :
إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا
يعنون أنه كاد يثنيهم عن عبادة الأصنام لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا عليها . قال اللّه تعالى متوعدا لهم ومتهددا
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ
الآية . ثم قال تعالى لنبيه منبها أن من كتب اللّه عليه الشقاوة والضلال ، فإنه لا يهديه أحد إلا اللّه عز وجل
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
أي مهما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه ، كما قال تعالى :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
[ فاطر : 8 ] الآية ، ولهذا قال هاهنا
أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا ، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول . ثم قال تعالى :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ
الآية ، أي هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة ، فإن تلك تعقل ما خلقت له ، وهؤلاء خلقوا لعبادة اللّه وحده لا شريك له ، وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم .

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 47 ]

أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) من هاهنا شرع سبحانه وتعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة ، فقال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
قال ابن عباس وابن عمر وأبو العالية وأبو مالك ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغيرهم : هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
أي دائما لا يزول ، كما قال تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً
[ القصص : 71 - 72 ] الآيات . وقوله تعالى :
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
أي لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف ، فإن الضد لا يعرف إلا بضده ، وقال قتادة والسدي : دليلا تتلوه وتتبعه حتى تأتي عليه كله . وقوله تعالى :
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
أي الظل . وقيل الشمس
يَسِيراً
أي سهلا ، قال ابن عباس : سريعا . وقال مجاهد : خفيا . وقال السدي : قبضا خفيا حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة ، وقد أظلت الشمس ما فوقه . وقال أيوب بن موسى في الآية
قَبْضاً يَسِيراً
قليلا قليلا . وقوله
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً
أي يلبس الوجود ويغشاه ، كما قال تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى
[ الشمس : 4 ]
وَالنَّوْمَ سُباتاً
أي قاطعا للحركة لراحة الأبدان ، فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعاش ، فإذا جاء الليل وسكن ، سكنت الحركات فاستراحت ، فحصل النوم الذي فيه راحة