تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
بعد ، أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ، ولن تتركوا سدى ، وإن لكم معادا ينزل اللّه فيه للحكم بينكم والفصل بينكم ، فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه اللّه من رحمته ، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمن عذاب اللّه غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه ، وباع نافدا بباق وقليلا بكثير وخوفا بأمان ، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين ، وسيكون من بعدكم الباقين حتى تردون إلى خير الوارثين ؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى اللّه عز وجل ، قد قضى نحبه وانقضى أجله حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا موسد ، قد فارق الأحباب وباشر التراب ، ووجه الحساب ، مرتهن بعمله ، غني عما ترك ، فقير إلى ما قدم . فاتقوا اللّه قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم ، ثم جعل طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يحيى بن نصير الخولاني ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة عن أبي هبيرة عن حنش بن عبد اللّه أن رجلا مصابا مر به عبد اللّه بن مسعود فقرأ في أذنه هذه الآية
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ
حتى ختم السورة فبرأ ، فذكر ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم : « بما ذا قرأت في أذنه ؟ » فأخبره ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال » . وروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال : بعثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سرية وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
قال : فقرأناها فغنمنا وسلمنا . وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي ، حدثنا أبو المسيب سلمة بن سلام ، حدثنا بكر بن حنيس عن نهشل بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن عبد اللّه بن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة باسم اللّه الملك الحق ، وما قدروا اللّه حق قدره ، والأرض جميعا فقبضته يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمينه ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، باسم اللّه مجراها ومرساها ، إن ربي لغفور رحيم » .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 117 إلى 118 ]

وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 118 ) يقول تعالى متوعدا من أشرك به غيره وعبد معه سواه ، ومخبرا أن من أشرك باللّه لا برهان له ، أي لا دليل له على قوله ، فقال تعالى :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
وهذه جملة معترضة ، وجواب الشرط في قوله :
فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
أي اللّه يحاسبه على ذلك ،