تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
يقول تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من اللّه خائفون منه وجلون من مكره بهم ، كما قال الحسن البصري : إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة ، وإن الكافر جمع إساءة وأمنا
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية ، كقوله تعالى إخبارا عن مريم عليها السلام :
وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ
[ التحريم : 12 ] أي أيقنت أن ما كان ، إنما هو عن قدر اللّه وقضائه ، وما شرعه اللّه فهو إن كان أمرا فمما يحبه ويرضاه ، وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ويأباه ، وإن كان خيرا فهو حق ، كما قال اللّه :
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ
أي لا يعبدون معه غيره ، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا اللّه أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأنه لا نظير له ولا كفء له . وقوله :
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ
أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء ، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط ، كما قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا مالك بن مغول ، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة أنها قالت : يا رسول اللّه الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف اللّه عز وجل ؟ قال : « لا يا بنت الصديق ، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف اللّه عز وجل » وهكذا رواه الترمذي « 2 » وابن أبي حاتم من حديث مالك بن مغول بنحوه ، وقال « لا يا ابنة الصديق ، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
وقال الترمذي : وروي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم ، عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم نحو هذا ، وهكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري في تفسير هذه الآية . وقد قرأ آخرون هذه الآية
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
أي يفعلون ما يفعلون وهم خائفون ، وروي هذا مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قرأها كذلك . قال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا عفان ، حدثنا صخر بن جويرية ، حدثنا إسماعيل المكي ، حدثنا أبو خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة رضي اللّه عنها ، فقالت : مرحبا بأبي عاصم ، ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا ؟ فقال : أخشى أن أملك ، فقالت : ما كنت لتفعل ؟ قال : جئت لأسألك عن آية من كتاب اللّه عز وجل : كيف كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤها ؟ قال : أية آية ؟ قال :
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا
والذين يأتون ما أتوا فقالت : أيتهما أحب إليك ؟ فقلت : والذي نفسي بيده
هامش
( 1 ) المسند 6 / 159 ، 205 . ( 2 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 23 ، في الترجمة . ( 3 ) المسند 6 / 95 .