تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
قلوبكم وأعمالكم » « 1 » . وجاء في الحديث « إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل ، وإن الدم ليقع من اللّه بمكان قبل أن يقع على الأرض » كما تقدم في الحديث ، رواه ابن ماجة والترمذي ، وحسنه عن عائشة مرفوعا ، فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من اللّه لمن أخلص في عمله وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا ، واللّه أعلم . وقال وكيع عن يحيى بن مسلم أبي الضحاك : سألت عامرا الشعبي عن جلود الأضاحي ، فقال :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها
إن شئت فبع ، وإن شئت فأمسك ، وإن شئت فتصدق . وقوله :
كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ
أي من أجل ذلك سخر لكم البدن
لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ
أي لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه . وقوله :
وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ
أي وبشر يا محمد المحسنين أي في عملهم القائمين بحدود اللّه المتبعين ما شرع لهم المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه عز وجل . [ مسألة ] وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصابا ، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضا ، واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجة بإسناد رجاله كلهم ثقات ، عن أبي هريرة مرفوعا : « من وجد سعة فلم يضح ، فلا يقربن مصلانا » « 2 » على أن فيه غرابة ، واستنكره أحمد بن حنبل ، وقال ابن عمر : أقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عشر سنين يضحي ، رواه الترمذي . وقال الشافعي وأحمد : لا تجب الأضحية بل هي مستحبة لما جاء في الحديث : « ليس في المال حق سوى الزكاة » وقد تقدم أنه عليه الصلاة والسلام ضحى عن أمته ، فأسقط ذلك وجوبها عنهم . وقال أبو سريحة : كنت جارا لأبي بكر وعمر ، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما ، وقال بعض الناس : الأضحية سنة كفاية ، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت ، سقطت عن الباقين لأن المقصود إظهار الشعار . وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي عن مخنف بن سليم أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول بعرفات : « على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة ، هل تدرون ما العتيرة ؟ هي التي تدعونها الرجبية » « 3 » وقد تكلم في إسناده . وقال أبو أيوب : كان الرجل في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته ، فيأكلون ويطعمون حتى تباهي الناس ، فصار كما ترى ، رواه الترمذي وصححه وابن ماجة ، وكان عبد اللّه بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله ، رواه البخاري .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 33 ، وابن ماجة في الزهد باب 9 ، وأحمد في المسند 2 / 285 ، 539 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في الأضاحي باب 2 ، وأحمد في المسند 2 / 321 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب 6 ، والترمذي في الأضاحي باب 18 ، وابن ماجة في الأضاحي باب 2 ، وأحمد في المسند 4 / 215 ، 5 / 76 .