الموازين يوم القيامة ، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة ، ويوضع ما أحصي عليه فيمايل به الميزان ، قال : فيبعث به إلى النار ، قال : فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن عز وجل يقول :
لا تعجلوا ، فإنه قد بقي له ، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا اللّه فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان » .
وقال الإمام أحمد « 1 » أيضا : حدثنا أبو نوح مرارا ، أنبأنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رجلا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جلس بين يديه ، فقال يا رسول اللّه إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني ، وأضربهم وأشتمهم ، فكيف أنا منهم ؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم ، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم ، كان كفافا لا لك ولا عليك ، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم ، كان فضلا لك ، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم ، اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك ، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويهتف ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « ما له لا يقرأ كتاب اللّه
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
فقال الرجل : يا رسول اللّه ما أجد شيئا خير من فراق هؤلاء - يعني عبيده - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم « 2 » .
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 48 إلى 50 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( 49 ) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 )
قد تقدم التنبيه على أن اللّه تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات اللّه وسلامه عليهما ، وبين كتابيهما ، ولهذا قال :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ
قال مجاهد : يعني الكتاب . وقال أبو صالح : التوراة . وقال قتادة : التوراة حلالها وحرامها ، وما فرق اللّه بين الحق والباطل . وقال ابن زيد يعني النصر « 3 » :
وجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، والغي والرشاد ، والحلال والحرام ، وعلى ما يحصل نورا في القلوب وهداية وخوفا وإنابة وخشية ، ولهذا قال :
الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ
أي تذكيرا لهم وعظة ، ثم وصفهم فقال :
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ
كقوله :
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
[ ق : 50 ] . وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
[ الملك : 12 ]
وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
أي خائفون وجلون ، ثم قال تعالى :
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ
يعني
هامش
( 1 ) المسند 6 / 280 ، 281 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 21 ، باب 2 .
( 3 ) انظر هذه الآثار في تفسير الطبري 9 / 34 .