تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
[ آل عمران : 38 - 39 ] وقوله
لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
قال قتادة وابن جريج وابن زيد : أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم ، واختاره ابن جرير رحمه اللّه . قال مجاهد
لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
أي شبيها ، وأخذه من معنى قوله
فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
[ مريم : 65 ] أي شبيها ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أي لم تلد العواقر قبله مثله ، وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام كان لا يولد له ، وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها ، بخلاف إبراهيم ، وسارة عليهما السلام ، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لعقرهما ، ولهذا قال
أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
[ الحجر : 54 ] مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة ، وقالت امرأته
يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
[ هود : 72 - 73 ] .

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 8 إلى 9 ]

قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) هذا تعجب من زكريا عليه السلام حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد ، ففرح فرحا شديدا ، وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد ، مع أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها مع كبرها ، ومع أنه قد كبر وعتا ، أي : عسا عظمه ونحل ، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع ، والعرب تقول للعود إذا يبس : عتا يعتو عتيا وعتوا ، وعسا يعسو عسوا وعسيا ، وقال مجاهد : عتيا يعني نحول العظم ، وقال ابن عباس وغيره : عتيا ، يعني الكبر ، والظاهر أنه أخص من الكبر . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا يعقوب ، حدثنا هشيم ، أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : لقد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا ، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
أو عسيا ، ورواه الإمام أحمد « 2 » عن سريج بن النعمان وأبو داود عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به ،
قالَ
أي الملك مجيبا لزكريا عما استعجب منه
كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها ،
هَيِّنٌ
أي يسير سهل على اللّه ، ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه ، فقال
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
كما قال تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
[ الإنسان : 1 ] .
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 8 / 311 . ( 2 ) المسند 1 / 257 ، 258 .