تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
وقال : في هذه الآية الكريمة
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
أي أن نأمر به مرة واحدة فإذا هو كائن ، كما قال الشاعر : [ الطويل ]
إذا ما أراد اللّه أمرا فإنما * يقول له كن كائنا فيكون « 1 »
أي أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به ، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف ، لأنه الواحد القهار العظيم الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء فلا إله إلا هو ولا رب سواه ، وقال ابن أبي حاتم : ذكر الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج عن ابن جريج ، أخبرني عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول قال اللّه تعالى : شتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك ، وكذبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقال :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ
قال وقلت :
بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
وأما شتمه إياي فقال :
إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
وقلت :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
. [ الإخلاص : 1 - 4 ] هكذا ذكره موقوفا وهو في الصحيحين مرفوعا بلفظ آخر .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 41 إلى 42 ]

وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته ، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب اللّه وجزائه ، ويحتمل أن يكون سبب نزولها في مهاجرة الحبشة الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم ، ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول ، وأبو سلمة بن عبد الأسود في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة صديق وصديقة رضي اللّه عنهم وأرضاهم ، وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
قال ابن عباس والشعبي وقتادة : المدينة ، وقيل : الرزق الطيب ، قاله مجاهد . ولا منافاة بين القولين ، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم اللّه خيرا منها في الدنيا ، فإن من ترك شيئا للّه عوضه اللّه بما هو خير له منه ، وكذلك وقع فإنهم مكن اللّه لهم في البلاد ، وحكمهم على رقاب العباد ، وصاروا أمراء حكاما ، وكل منهم للمتقين إماما ، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا ، فقال :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ
أي مما أعطيناهم في الدنيا
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
أي لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر اللّه لمن أطاعه واتبع رسوله ، ولهذا قال هشيم عن العوام عمن حدثه أن عمر بن
هامش
( 1 ) تقدم البيت في تفسير الآية 117 من سورة البقرة ، ولفظ عجز البيت هناك : يقول له كن قوله فيكون