تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
أثقل من أن يقوم به العباد ، وإن نعم اللّه أكثر من أن يحصيها العباد ، ولكن أصبحوا تائبين . وأمسوا تائبين ، وفي صحيح البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « اللهم لك الحمد غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا » « 1 » . وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث ، حدثنا داود بن المحبر حدثنا صالح المري عن جعفر بن زيد العبدي ، عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين : ديوان فيه العمل الصالح ، وديوان فيه ذنوبه ، وديوان فيه النعم من اللّه تعالى عليه ، فيقول اللّه تعالى لأصغر نعمه - أحسبه قال في ديوان النعم - خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح كله ، ثم تنحى وتقول : وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب والنعم ، فإذا أراد اللّه أن يرحمه قال : يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت لك عن سيئاتك - أحسبه قال : ووهبت لك نعمي - » غريب وسنده ضعيف . وقد روي في الأثر أن داود عليه السلام قال : يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ ؟ فقال اللّه تعالى : الآن شكرتني يا داود ، أي حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم ، وقال الإمام الشافعي رحمه اللّه : الحمد للّه الذي لا يؤدي شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها ، وقال القائل في ذلك :
لو كل جارحة مني لها لغة * تثني عليك بما أوليت من حسن لكان ما زاد شكري إذ شكرت به * إليك أبلغ في الإحسان والمنن

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 36 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) يذكر تعالى في هذا المقام محتجا على مشركي العرب بأن البلد الحرام بمكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة اللّه وحده لا شريك له ، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه آهلة تبرأ ممن عبد غير اللّه ، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال :
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
وقد استجاب اللّه له فقال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً
[ العنكبوت : 67 ] الآية ، وقال تعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
[ آل عمران : 96 - 97 ] وقال في هذه القصة
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
[ إبراهيم : 39 ] فعرفه لأنه دعا به بعد بنائها ، ولهذا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة ، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة فإنه دعا أيضا فقال :
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
[ البقرة : 126 ] كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطوّلا .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأطعمة باب 54 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 440 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين