تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
وقال العوفي عن ابن عباس قوله :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
يقول : احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ
فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد ، فللنحاس والحديد خبث ، فجعل اللّه مثل خبثه كزبد الماء ، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة ، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت ، فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله ، والعمل السيئ يضمحل عن أهله ، كما يذهب هذا الزبد ، وكذلك الهدى والحق جاءا من عند اللّه ، فمن عمل بالحق كان له وبقي ، كما بقي ما ينفع الناس في الأرض ، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار ، فتأكل خبثه ، ويخرج جيده فينتفع به ، فكذلك يضمحل الباطل ، فإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال ، فيزيغ الباطل ويهلك ، وينتفع أهل الحق بالحق « 1 » ، وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة ، وغير واحد من السلف والخلف . وقد ضرب سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين : ناريا ومائيا وهما قوله
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
[ البقرة : 17 ] الآية ، ثم قال
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
[ البقرة : 19 ] الآية ، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين [ أحدهما ] قوله
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ
الآية ، والسراب إنما يكون في شدة الحر ، ولهذا جاء في الصحيحين : فيقال لليهود يوم القيامة : فما تريدون ؟ فيقولون : أي ربنا عطشنا فاسقنا . فيقال : ألا تردون ؟ فيردون النار فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضا « 2 » . ثم قال تعالى في المثل الآخر :
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ
الآية ، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم ، كمثل غيث أصاب أرضا ، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع اللّه بها الناس ، فشربوا ، ورعوا ، وسقوا ، وزرعوا ، وأصابت طائفة منها أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه اللّه بما بعثني ونفع به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » « 3 » فهذا مثل مائي . وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد « 4 » : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مثلي ومثلكم كمثل
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 7 / 370 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 8 ، ومسلم في الإيمان حديث 302 . ( 3 ) أخرجه البخاري في العلم باب 20 ، ومسلم في الفضائل حديث 15 ، وأحمد في المسند 4 / 399 . ( 4 ) المسند 2 / 312 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 385 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين