بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 1 إلى 3 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ( 3 )
يقول اللّه تعالى مادحا نفسه الكريمة وحامدا لها على خلقه السماوات والأرض قرارا لعباده .
وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم ، فجمع لفظ الظلمات ، ووحد لفظ النور ، لكونه أشرف ، كقوله تعالى :
عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ
[ النحل : 48 ] وكما قال في آخر هذه السورة
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] ثم قال تعالى :
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
أي ومع هذا كله كفر به بعض عباده ، وجعلوا له شريكا وعدلا ، واتخذوا له صاحبة وولدا ، تعالى اللّه عز وجل عن ذلك علوا كبيرا .
وقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
يعني أباهم آدم ، الذي هو أصلهم ، ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب ! وقوله
ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
ثُمَّ قَضى أَجَلًا
يعني الموت
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
يعني الآخرة ، وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ، والحسن وقتادة والضحاك ، وزيد بن أسلم وعطية والسدي ، ومقاتل بن حيان وغيرهم ، وقول الحسن في رواية عنه
ثُمَّ قَضى أَجَلًا
وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث ، هو يرجع إلى ما تقدم ، وهو تقدير الأجل الخاص ، وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام ، وهو عمر الدنيا بكمالها ، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها ، وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة ، وعن ابن عباس ومجاهد :
ثُمَّ قَضى أَجَلًا
يعني مدة الدنيا ،
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
يعني عمر الإنسان إلى حين موته ، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
[ الأنعام : 60 ] الآية ، وقال عطية : عن ابن عباس
ثُمَّ قَضى أَجَلًا
يعني النوم ، يقبض فيه الروح ، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة ،
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
يعني أجل موت الإنسان ، وهذا قول غريب ، ومعنى قوله
عِنْدَهُ
أي لا يعلمه إلا هو ، كقوله
إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ
[ الأعراف : 187 ] وكقوله
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها
[ النازعات : 42 - 44 ] .
وقوله تعالى :
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ
قال السدي وغيره : يعني تشكون في أمر الساعة .