تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
وقوله :
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
وهذا من باب الترغيب في اتباعه ، لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له ، فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة ، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه ، كما وصفه به في قوله :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
[ النجم : 37 ] ، قال كثير من علماء السلف : أي قام بجميع ما أمر به في كل مقام من مقامات العبادة ، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير ، ولا كبير عن صغير وقال تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
[ البقرة : 124 ] . وقال تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ النحل : 120 ] ، والآية بعدها ، وقال البخاري « 1 » : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن عمرو بن ميمون ، قال : إن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح ، فقرأ
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
فقال رجل من القوم : لقد قرت عين أم إبراهيم . وقد ذكر ابن جرير « 2 » في تفسيره عن بعضهم : أنه إنما سماه اللّه خليلا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب ، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل ، وقال بعضهم من أهل مصر ، ليمتار طعاما لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته ، فلما قرب من أهله قرّ بمفازة ذات رمل ، فقال : لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة ، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون ، ففعل ذلك فتحول ما في الغرائر من الرمل دقيقا ، فلما صار إلى منزله نام ، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقا فعجنوا منه وخبزوا ، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي خبزوا ، فقالوا : من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك ، فقال : نعم هو من عند خليلي اللّه ، فسماه اللّه خليلا . وفي صحة هذا ووقوعه نظر ، وغايته أن يكون خبرا إسرائيليا لا يصدق ولا يكذب ، وإنما سمي خليل اللّه لشدة محبة ربه عز وجل له لما قام به من الطاعة التي يحبها ويرضاها ، ولهذا ثبت في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما خطبهم في آخر خطبة خطبها ، قال : « أما بعد ، أيها الناس فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ، لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ، ولكن صاحبكم خليل اللّه » وجاء من طريق جندب بن عبد اللّه البجلي وعبد اللّه بن عمرو بن العاص وعبد اللّه بن مسعود عن النبي قال : « إن اللّه اتخذني خليلا ، كما اتخذ إبراهيم خليلا » وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم ، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد ، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة ، حدثنا عبد اللّه الحنفي ، حدثنا زمعة أبو صالح عن سلمة بن وهران ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : جلس
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ( مغازي باب 60 ) ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 297 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 374 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين