تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
من أحكامه الكونية والشرعية وهو المحمود على كل حال .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 105 إلى 109 ]

إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 106 ) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 ) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 109 ) يقول تعالى : مخاطبا لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
أي هو حق من اللّه ، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه ، وقوله :
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلّى اللّه عليه وسلّم له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية ، وبما ثبت في الصحيحين من رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أم سلمة ، عن أم سلمة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، سمع جلبة خصم بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال : « ألا إنما أنا بشر وإنما أقضي بنحو مما أسمع ، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها » « 1 » . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا وكيع ، حدثنا أسامة بن زيد عن عبد اللّه بن رافع ، عن أم سلمة ، قالت : جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مواريث بينهما قد درست ، ليس عندهما بينة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما « 3 » في عنقه يوم القيامة » فبكى الرجلان ، وقال كل منهما : حقي لأخي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما « 4 » ، ثم ليحلل كل منكما صاحبه » وقد رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد به ، وزاد « إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه » « 5 » . وقد روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس : أن نفرا من الأنصار غزوا مع
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ( شهادات باب 27 وحيل باب 10 وأحكام باب 20 ) وصحيح مسلم ( أقضية حديث 4 ) وسنن أبي داود ( أقضية باب 7 ) وسنن ابن ماجة ( أحكام باب 5 ) وموطأ مالك ( أقضية حديث 1 ) ( 2 ) مسند أحمد 6 / 32 . ( 3 ) السطام والإسطام : المسعار ، وهو حديدة عريضة الرأس تحرك بها النار . والمراد أنه يقضي له بما يمكن أن يسعر عليه النار يوم الحساب إذا لم تكن حجته صحيحة . ( 4 ) استهما : اقترعا . ( 5 ) سنن أبي داود ( أقضية باب 7 )