تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
إلى ركعة كما دل عليه الحديث - فرادى ورجالا وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد ، وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة ، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك ، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقوله :
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ
فبعده تفوت هذه الصفة ، فإنه استدلال ضعيف ، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
[ التوبة : 103 ] قالوا : فنحن لا ندفع زكاتنا بعده صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أحد ، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه ، ولا ندفعها إلا إلى من صلاته أي دعاؤه سكن لنا ، ومع هذا رد عليهم الصحابة ، وأبوا عليهم هذا الاستدلال ، وأجبروهم على أداء الزكاة وقتلوا من منعها منهم . ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولا قبل ذكر صفتها . قال ابن جرير « 1 » : حدثني المثنى ، حدثني إسحاق ، حدثنا عبد اللّه بن هاشم ، أنبأنا سيف عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي رضي اللّه عنه ، قال : سأل قوم من بني النجار « 2 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا رسول اللّه ، إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي ؟ فأنزل اللّه عز وجل
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
ثم انقطع الوحي ، فلما كان بعد ذلك بحول ، غزا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فصلى الظهر ، فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم ؟ فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في أثرها ، قال : فأنزل اللّه عز وجل بين الصلاتين
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ النساء : 101 ] الآيتين ، فنزلت صلاة الخوف . وهذا سياق غريب جدا ، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت رضي اللّه عنه عند الإمام أحمد وأهل السنن ، فقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا الثوري عن منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي ، قال : كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعسفان ، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد ، وهم بيننا وبين القبلة ، فصلى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الظهر ، فقالوا : لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ، ثم قالوا : تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم ، قال : فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ
قال : فحضرت ، فأمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخذوا السلاح ، قال : فصفنا خلفه صفين ، قال : ثم ركع فركعنا جميعا ، ثم رفع فرفعنا جميعا ، ثم سجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما سجدوا وقاموا ، جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، وجاء هؤلاء إلى
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 4 / 245 . ( 2 ) في الطبري : « سأل قوم من التجار » . ( 3 ) مسند أحمد 4 / 59 - 60 .