المنافقون ، واللّه يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك ، فإنه لا تخفى عليه خافية ، فاكتف به يا محمد فيهم ، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم . ولهذا قال له
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
أي لا تعنفهم على ما في قلوبهم
وَعِظْهُمْ
أي وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ،
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً
أي وأنصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 64 إلى 65 ]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 64 ) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 )
يقول تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ
أي فرضت طاعته على من أرسله إليهم .
وقوله
بِإِذْنِ اللَّهِ
قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني ، يعني لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك ، كقوله
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ
[ آل عمران : 152 ] أي عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم . وقوله
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
الآية ، يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيستغفروا اللّه عنده ويسألوه أن يستغفر لهم ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب اللّه عليهم ورحمهم وغفر لهم ، ولهذا قال
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي ، قال : كنت جالسا عند قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول اللّه ، سمعت اللّه يقول
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي . ثم أنشأ يقول : [ البسيط ]
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي ، فغلبتني عيني فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في النوم ، فقال يا عتبي ، الحق الأعرابي فبشره أن اللّه قد غفر له » .
وقوله
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في جميع الأمور ، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا ، ولهذا قال
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به ، وينقادون له في الظاهر والباطن ، فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة ، كما ورد في الحديث « والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى يكون