تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
أي يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ
أي هو أعلم بهم ويحذركم منهم ،
وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً
أي كفى به وليا لمن لجأ إليه ونصيرا لمن استنصره . ثم قال تعالى :
مِنَ الَّذِينَ هادُوا
« من » في هذا لبيان الجنس كقوله
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[ الحج : 30 ] ، وقوله
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
[ النساء : 46 ] أي يتأولون الكلام على غير تأويله ، ويفسرونه بغير مراد اللّه عز وجل قصدا منهم وافتراء
وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا
أي يقولون سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه ، هكذا فسره مجاهد وابن زيد ، وهو المراد ، وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم وأنهم يتولون عن كتاب اللّه بعد ما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة ، وقوله
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
أي اسمع ما نقول ، لا سمعت ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وقال مجاهد والحسن : واسمع غير مقبول منك ، قال ابن جرير : والأول أصح ، وهو كما قال : وهذا استهزاء منهم واستهتار ، عليهم لعنة اللّه ،
وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ
أي يوهمون أنهم يقولون : راعنا سمعك بقولهم راعنا ، وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي ، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا
[ البقرة : 104 ] ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ
، يعني بسبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم قال تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
أي قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه ، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم ، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى :
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
[ البقرة : 88 ] والمقصود أنهم لا يؤمنون إيمانا نافعا .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 47 إلى 48 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) يقول تعالى آمرا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات ، ومتهددا لهم إن لم يفعلوا بقوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
قال بعضهم : معناه من قبل أن نطمس وجوها ، فطمسها هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم ، ويحتمل أن يكون المراد : من قبل أن نطمس وجوها فلا نبقي لها سمعا ولا بصرا ولا أثرا ، ومع ذلك نردها إلى ناحية الأدبار . قال العوفي عن ابن عباس في الآية وهي
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً
وطمسها أن تعمى
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 285 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين