تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
فلم يقرأها كما ينبغي ، فأنزل اللّه عز وجل
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
ثم قال : حدثني المثنى ، حدثنا الحجاج بن المنهال ، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن حبيب وهو أبو عبد الرحمن السلمي : أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا ، فدعا نفرا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فصلى بهم المغرب ، فقرأ : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ، وأنتم عابدون ما أعبد ، وأنا عابد ما عبدتم ، لكم دينكم ولي دين ، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
وقال العوفي عن ابن عباس في الآية : إن رجالا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر ، فقال اللّه
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
الآية ، رواه ابن جرير ، وكذا قال أبو رزين ومجاهد . وقال عبد الرزاق عن معمر ، عن قتادة : كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر . وقال الضحاك في الآية : لم يعن بها سكر الخمر وإنما عنى بها سكر النوم ، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، ثم قال ابن جرير « 1 » : والصواب أن المراد سكر الشراب ، قال : ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب ، لأن ذاك في حكم المجنون ، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف ، وهذا حاصل ما قاله ، وقد ذكره غير واحد من الأصوليين ، وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف ، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار ، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما ، واللّه أعلم ، وعلى هذا فيكون كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ آل عمران : 102 ] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك . وقوله
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
هذا أحسن ما يقال في حد السكران أنه الذي لا يدري ما يقول ، فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها . وقد قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبي ، حدثنا أيوب عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول » انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم ، ورواه هو والنسائي من حديث أيوب به . وفي بعض ألفاظ الحديث « فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه » . وقوله :
وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا
قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 4 / 99 . ( 2 ) مسند أحمد 1 / 150 .