تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
القيامة « 1 » . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : لما أنزل اللّه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
قال المسلمون : إن اللّه قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، والطعام هو أفضل أموالنا ، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فكيف للناس ؟ فأنزل اللّه بعد ذلك
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ
[ النور : 61 ] ، وكذا قال قتادة . وقوله تعالى :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
قرئ تجارة بالرفع وبالنصب وهو استثناء منقطع ، كأنه يقول : لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال ، ولكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال ، كما قال تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ *
[ الأنعام : 151 ] ، وكقوله
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
[ الدخان : 56 ] . ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول ، لأنه يدل على التراضي نصا بخلاف المعاطاة ، فإنها قد لا تدل على الرضى ولا بد ، وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد ، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا ، فصححوا بيع المعاطاة مطلقا ، ومنهم من قال : يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعا وهو احتياط نظر من محققي المذهب ، واللّه أعلم . وقال مجاهد
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
بيعا أو عطاء يعطيه أحد أحدا ، ورواه ابن جرير « 2 » ، ثم قال : وحدثنا وكيع ، حدثنا أبي عن القاسم ، عن سليمان الجعفي ، عن أبيه ، عن ميمون بن مهران ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما » هذا حديث مرسل . ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس ، كما ثبت في الصحيحين « 3 » أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا » وفي لفظ البخاري « إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا » ، وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف ، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه حال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها ، كما هو المشهور عن مالك رحمه اللّه ، وصححوا بيع المعاطاة مطلقا وهو قول في مذهب الشافعي ، ومنهم من قال : يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا وهو اختيار طائفة من الأصحاب كما هو متفق عليه . وقوله
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
أي بارتكاب محارم اللّه ، وتعاطي معاصيه ، وأكل أموالكم
هامش
( 1 ) الدر المنثور 2 / 257 . ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 35 . ( 3 ) صحيح البخاري ( بيوع باب 19 و 22 و 42 و 43 و 44 و 46 و 47 ) وصحيح مسلم ( بيوع حديث 43 و 46 و 47 )