تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
أمك التي ولدتك ، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك ، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن أنس عن عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة أم المؤمنين ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة » « 1 » ، وفي لفظ لمسلم « يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب » . وقال بعض الفقهاء : كل ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاعة إلا في أربع صور ، وقال بعضهم : ست صور هي مذكورة في كتب الفروع والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك ، لأنه يوجد مثل بعضها من النسب ، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر فلا يرد على الحديث شيء أصلا البتة ، وللّه الحمد وبه الثقة . ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة ، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية ، وهذا قول مالك ، ويروى عن ابن عمر ، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري . وقال آخرون : لا يحرم أقل من ثلاث رضعات ، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « لا تحرم المصة ولا المصتان » « 2 » وقال قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عبد اللّه بن الحارث ، عن أم الفضل ، قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ، والمصة ولا المصتان » ، وفي لفظ آخر « لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان » رواه مسلم . وممن ذهب إلى هذا القول : الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد وأبو ثور ، وهو مروي عن علي وعائشة وأم الفضل وابن الزبير وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير رحمهم اللّه . وقال آخرون : لا يحرم أقل من خمس رضعات ، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك عن عبد اللّه بن أبي بكر ، عن عمرة ، عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : كان فيما أنزل من القرآن « عشر رضعات معلومات يحرمن » ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهن فيما يقرأ من القرآن « 3 » ، وروى عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، نحو ذلك . وفي حديث سهلة بنت سهيل ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمرها أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة خمس رضعات ، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات ، وبهذا قال الشافعي وأصحابه . ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور . وكما قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند قوله
يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ( نكاح باب 20 و 21 ) وصحيح مسلم ( رضاع حديث 1 ) وموطأ مالك ( رضاع حديث 1 ) ( 2 ) صحيح مسلم ( رضاع حديث 17 و 20 و 23 ) ( 3 ) صحيح مسلم ( رضاع حديث 25 )