تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ نزول القرآن الكريم — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤

صور الوحي وما تحقق منها لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم

لقد تحقق لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من صور الوحي ومراتبه ما سنذكره تفصيلا على ما يلي : أولا : الرؤيا الصادقة في النوم . وهي أول ما بدئ به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، كما جاء في رواية أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها ، والتي أخرجها البخاري رحمه الله . وإذا كان ما يراه النائم إدراكا يقوم بجزء من القلب لا يحله النوم فإن الأنبياء لا يستولى النوم على قلوبهم ، ولا على جزء منها ، ولذلك فإن الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، وما يرونه في نومهم ليس من أضغاث الأحلام ؛ ولا يستطيع الشيطان أن يعبث بقلوبهم ، ولا أن يريهم في نومهم أحلاما كالتي يمكن أن يقوم بها الشيطان لإزعاج النائمين من البشر ، فما يراه الأنبياء في نومهم حق ووحى يوحى الله به لرسله ، وقد حكى لنا القرآن الكريم نماذج من هذه الصورة فهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه السّلام يرى في المنام أنه يذبح أحب الناس إليه إسماعيل ، ويقول لإسماعيل حاكيا له رؤيته :
إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى
[ الصافات : 102 ] ، ولكن قد يسأل سائل إذا كنا نقول إن رؤيا الأنبياء وحى وحق ، وإبراهيم أبو الأنبياء يعرف هذا فلما ذا يسأل ابنه ويطلب نظره ورؤيته في وحى واجب التنفيذ ؟ والجواب عن ذلك : إن إبراهيم عليه السّلام يرى أن الرؤيا حق وأنه واجب التنفيذ والطاعة ، ولكن التنفيذ والطاعة هنا لا تتعلق به وحده ، وإنما تتعلق بطرف آخر له إرادته وله اختياره وله رأيه ، ولكن هل يتوقع من إسماعيل أن يكون رأيه ونظره مخالفا لحالة أبيه ؟ إن إسماعيل بن إبراهيم وابن هاجر وهما الوالدان المسلّمان التسليم الكامل لأمر الله تبارك وتعالى ؛ فإبراهيم سلم الأمر لله ، وجاء بأحب الناس وأضعف الناس وهما الزوجة هاجر والطفل إسماعيل إلى واد وصفه القرآن الكريم بأنه :
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
[ إبراهيم : 37 ] تنفيذا لأمر ربه ، ولما هم بالانصراف سألته زوجته : لمن تتركنا يا إبراهيم ؟ وإبراهيم يجد المكان بلا بشر يأنس الإنسان بالإقامة معهم ومشاركتهم حياتهم ، وهذا معنى دعاء إبراهيم :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
[ إبراهيم : 37 ] .