حديث السنّ ليس له قدم ولا هجرة ولا تجربة ، فإذا أتاك كتابي فأشخصه إليّ ، فلمّا قرأ أبو موسى الكتاب بعث بزياد إليه ، فكلّمه عمر وسأله فردّ عليه ردّ فهم عاقل ، فقال له عمر : أتخبر الناس بما أخبرتني ؟ فقال : إذا أخبرتك أنت « 1 » فالناس عليّ أهون ، فخرج عمر آخذا بيده وهو يقول : هذا ممّن يرفع اللّه به خسيسة أهله ، فقال زياد « 2 » : أيّها الناس أنفقنا في عام كذا كذا وبقي كذا ، وفي عام كذا كذا وبقي كذا ، فتعجّب الناس من حفظه وعقله ، ثمّ أمر له عمر بألف درهم ، فاستأذن على عمر في بعض الأيّام فبعث إليه : أنتظر أخرج إليك ، فغلبته عينه فنام « 3 » وعليه خفّان جديدان ، فلمّا رآه عمر علاه بالدرّة ، فلمّا انتبه قال : إنّما أخذته بدرهم واحد ، فقال عمر : فلا بأس إذا ، وعجب من فطنته ، فأمره عمر أن يكتب في بعض الأمر فكتب كتابا بليغا فقال : غيّره ، فكتب في ذلك المعنى كتابا آخر ، فقال غيّره ، فكتب كتابا ثالثا بارعا ، فعجب عمر من سعة معرفته وتصرّفه في بلاغته ، ثمّ ردّه إلى البصرة فاشترى بالألف أباه عبيدا فعتق ، فلمّا كان من قابل وفد على عمر فسأله عن الألف ، فقال : ابتعت بها عبيدا أبي من صفيّة بنت ( عبيد بن ) « 4 » أسيد بن علاج ، فقال له : نعم الألف كان ألفك .
ثمّ لمّا قدم « 5 » علي بن أبي طالب البصرة فأخذها « 6 » فاستعمل عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطلّب ، استكتب ابن عبّاس زيادا ، ثمّ ولّاه فارس ، فسأل زياد « 7 » عن أمثل سيرة الفرس ، فقيل له سيرة أنوشروان كسرى بن قباذ ، كان يضع عن أهل فارس من خراج كلّ عشر سنين خراج سنة ، ففعل زياد مثل ذلك حتّى عمرت فارس عمارة لم يعمر مثلها قطّ .
هامش
( 1 ) أنت : زيادة من م .
( 2 ) فتوح البلدان : 464
( 3 ) قارن بالطبري 1 : 2712 وابن عساكر 5 : 407 والجهشياري 16 ، 17
( 4 ) زيادة لازمة اعتمادا على ما تقدم .
( 5 ) قارن بمروج الذهب 5 : 22 وابن عساكر 5 : 408
( 6 ) س : فأخذ بها .
( 7 ) قارن بالطبري 1 : 3449