واللّه إنّ الوزير مع أشغاله المتّصلة ، وأثقاله الباهظة ، وفكره المفضوض ورأيه المشترك ، لكريم ماجد ، ومفضل محسن ، يرعى القليل من الحرمة ، ويعطي الجزيل من النّعمة ، ويحافظ على اليسير من الذّمام ، ويتقبّل مذاهب الكرام ، ويتلذّذ بالثّناء إذا سمع ، ويتعرّض للشّكر من كلّ منتجع ، ويزرع الخير ، ويحصد الأجر ، ويواظب على كسب المجد ، ويثابر على اجتلاب الحمد ، وينخدع للسائل ، ويتهلّل في وجه الآمل ، ولا يتبوّأ من الفضائل إلّا في ذراها ، رحيم بكلّ غاد ورائح ، ولكلّ صالح وطالح .
وأنا الجار القديم ، والعبد الشاكر ، والصاحب المخبور ، ولكنّك مقبل كالمعرض ، ومقدّم كالمؤخّر ، وموقد كالمخمد ، تدنيني إلى حظّي بشمالك ، وتجذبني عن نيله بيمينك ، وتغذّيني بوعد كالعسل ، وتعشّيني بيأس كالحنظل ، « ومن كان عتبه على مظنّة عيبك ، فليس ينبغي أن يكون تقصيره على تيقّنه بنصرك » .
نعم ، عتبت فأوجعت ، وعرفت البراءة فهلّا نفعت ؟ واللّه ما أدري ما أقول ، إن شكرتك على ظاهرك الصّحيح لذعتك لباطنك السقيم ، وإن حمدتك على أوّلك الجميل ، أفسدت لآخرك الذي ليس بجميل .
قد أطلت ، ولكن ما شفيت ، ونهلت وعللت ، ولكن ما رويت .
وآخر ما أقول : افعل ما ترى ، واصنع ما تستحسن ، وأبلغ ما تهوى ، فليس واللّه منك بدّ ، ولا عنك غنىّ .
والصّبر عليك أهون من الصّبر عنك ، لأنّ الصّبر عنك مقرون بالياس ، والصّبر عليك ربّما يؤدّي إلى رفع هذا الوسواس ، والسّلام لأهل السلام .
تم الكتاب
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 415
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص٤١٥