تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
أغرّك مسكويه حين قال لك : قد لقيت أبا حيّان ، وقد أخرجته مع صاحب البريد إلى قرميسين ؟ ! واللّه ثم وحياتك التي هي حياتي ، ما انقلبت من ذلك بنفقة شهر ، واللّه نظر لي بالعود ، فإنّ الأراجيف اتّصلت ، والأرض اقشعرّت ، والنفوس استوحشت ، وتشبّه كلّ ثعلب بأسد ، وفتل كلّ إنسان لعدوّه حبلا من مسد . أيّها الكريم ، ارحم ، واللّه ما يكفيني ما يصل إليّ في كلّ شهر من هذا الرّزق المقترّ الّذي يرجع بعد التّقتير والتّيسير إلى أربعين درهما مع هذه المئونة الغليظة ، والسّفر الشاقّ ، والأبواب المحجّبة ، والوجوه المقطّبة ، والأيدي المسمّرة ، والنفوس الضيّقة ، والأخلاق الدّنيئة . أيّها السيّد ، أقصر تأميلي ، ارع ذمام الملح بيني وبينك ، وتذكّر العهد في صحبتي ، طالب نفسك بما يقطع حجّتي ، دعني من التعليل الّذي لا مردّ له ، والتسويف الّذي لا آخر معه . ذكّر الوزير أمري ، وكرّر على أذنه ذكري ، وأمل عليه سورة من شكري ، وابعثه على الإحسان إليّ . افتح عليه بابا يغري الرّاغب في اصطناع المعروف لا يستغني عن المرغب ، والفاعل للخير لا يستوحش من الباعث عليه . أنفق جاهك فإنّه بحمد اللّه عريض ، وإذا جدت بالمال فجد أيضا بالجاه ، فإنّهما أخوان . سرّحني رسولا إلى صاحب البطائح أو إلى أبي السؤل الكرديّ أو إلى غيره ممّن هو في الجبال ، هذا إن لم تؤهّلني برسالة إلى سعد المعالميّ بأطراف الشام ، وإلى البصرة ، فإني أبلغ في تحمّل ما أحمل ، وأداء ما أؤدّي ، وتزيين ما أزيّن ، حدّا أملك به الحمد ، وأعرف فيه بالنّصيحة وأستوفي فيه على الغاية دع هذا ، ودع لي ألف درهم ، فإني أتّخذ رأس مال ، وأشارك بقّال المحلّة في درب الحاجب ، ولا أقلّ من ذا ، تقدّم إلى كسج البقّال ، حتّى يستعين بي لأبيع الدّفاتر . قلت : الوزير مشغول . فما أصنع به إذا فرغ ، فالشاعر يقول : « تناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل » قد واللّه نسيت صدر هذا البيت ، وما بال غيري ينوّله ويموّله مع شغله ، وأحرم أنا ؟ ! أنا كما قال :
وبرق أضاء الأرض شرقا ومغربا * وموضع رجلي منه أسود مظلم