تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
يقال : الطّعمة : الكسب . ويقال : جئت بالطّعمة . والطّعم : الطّعام : والطّعم : الذّوق . وهذه الأرض طعمة لك وطعمة . قال إسحاق : كنت يوما عند أحمد بن يوسف الكاتب ، فدخل أحمد بن أبي خالد الكاتب ونحن في الغناء ، فقال : واللّه ما أجد شيئا ممّا أنتم فيه . قال إسحاق : فهان عليّ وخفّ في عيني ، فقلت له كالمستهزئ به : جعلت فداك ، قصدت إلى أرقّ شيء خلقه اللّه وألينه على الأذن والقلب ، وأظهره للسّرور والفرح ، وأنفاه للهمّ والحزن ، وما ليس للجوارح منه مئونة غليظة ، وإنما يقرع السّمع وهو منه على مسافة ، فتطرب له النفس ، فذممته ! ؟ ولكنه كان يقال : لا يجتمع في رجل شهوة كل لذّة ، وبعد ، فإنّ شهوة كلّ رجل على قدر تركيبه ومزاجه . قال : أجل ، أمّا أنا فالطعام الرقيق أعجب إليّ من الغناء . فقلت : إي واللّه ولحم البقر والجواميس والتيوس الجبليّة بالبازنجان المبزّر أيضا تقدّمه ؟ فقال : الغناء مختلف فيه ، وقد كرهه قوم . قلت : فالمختلف فيه أطلقه لنا حتى تجمعوا على تحريمه ، أعلمت - جعلت فداك - أنّ الأوائل كانت تقول : من سمع الغناء على حقيقته مات . فقال : اللهم لا تسمعناه على الحقيقة إذا فنموت . فاستظرفته في هذه اللفظة ، وقدّموا إليه الطعام فشغل عن ذمّ الغناء . قال سعيد بن أبي عروة : نزل الحجّاج في طريق مكّة ، فقال لحاجبه : انظر أعرابيّا يتغدّى معي ، وأسأله عن بعض الأمر ، فنظر الحاجب إلى أعرابيّ بين شملين ، فقال : أجب الأمير ، فأتاه ، فقال له الحجّاج : إذن فتغدّ معي . فقال : إنّه دعاني من هو أولى منك فأجبته . قال : ومن هو ؟ قال : اللّه عزّ وجلّ دعاني إلى الصّوم فصمت ، قال : أفي هذا اليوم الحارّ ؟ قال : نعم ، صمته ليوم هو أشدّ منه حرّا . قال : فأفطر وصم غدا . قال : إن ضمنت لي البقاء إلى غد . قال : ليس ذلك إليّ . قال : فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه ؟ قال : إنّه طعام طيّب . قال : إنّك لم تطيّبه ولا الخبّاز ، ولكنّ العافية طيّبته ، ولم يفطر ، وخرج من عنده . قال أعرابي : هذا الطّعام مطيبة للنّفس ، محسنة للجسم . قال أبو حاتم : حدّثنا الأصمعيّ قال : قال أبو طفيلة الحرمازيّ : قال أعرابيّ : ضفت رجلا فأتانا بخبز من برّ كأنّه مناقير النّغران « 1 » ، وأتانا بتمر كأعناق الورلان « 2 » ، يوحل فيه الضّرس . وقال آخر : ونظر إلى رجل يأكل بالعين والفم واليد والرأس والرجل : لو سألته عن اسمه لما ذكره ، ولو طلع ولده الغائب عليه ما عرفه :
يلعب بالخمسة في قصعة * لعب أخي الشّطرنج بالشّاه
هامش
( 1 ) فرخ العصفور . ( 2 ) دابة شبيهة بالضب .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 333 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي