تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وأما أبو زيد البلخيّ - وهو سيّد أهل المشرق في أنواع الحكمة فذكر أنّه محال ولا أصل له ، وأنّ حكمة اللّه تعالى لا توجب صحة هذا الأمر ، وأنّ صحّته مفسدة عامّة ،
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
[ البقرة : 205 ] . وأمّا مسكويه - وها هو بين يديك - فيزعم أن الأمر حقّ وصحيح ، والطبيعة لا تمنع من إعطائه ، ولكنّ الصناعة شاقّة ، والطّريق إلى إصابة المقدار عسرة ، وجمع الأسرار صعب وبعيد ، ولكنه غير ممتنع ، فقد مضى عمره في الإكباب على هذا بالريّ أيام كان بناحية أبي الفضل وأبي الفتح ابنه مع رجل يعرف بأبي الطّيّب ، شاهدته ولم أحمد عقله ، فإنه كان صاحب وسواس وكذب وسقط ، وكان مخدوعا في أوّل أمره ، خادعا في آخر عمره . وأبين ما سمعته في هذا الحديث أنّ الطبيعة فوق الصناعة ، وأنّ الصناعة دون الطبيعة ، وأن الصّناعة تتشبّه بالطبيعة ولا تكمل ، والطّبيعة لا تتشبّه بالصناعة وتكمل ، وأنّ الطبيعة قوّة إلهيّة سارية في الأشياء واصلة إليها ، عاملة فيها بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة والانفعال والمواتاة ، إما على التّمام ، وإما على النقصان . وقيل : إنّ الطبيعة لا تسلك إلى إبراز ما في المادّة أبعد الطرق ، ولا تترك أقرب الطّرق ، فلما كانت المعادن هي التي تعطي هذه الجواهر على قدر المقابلات العلويّة والأشكال السماويّة والموادّ السّفليّة والكائنات الأرضية ، لم يجز أن تكون الصناعة مساوية لها ، كما لم يجز أن تكون مستعلية عليها ، لأن الصناعة بشريّة مستخرجة من الطبيعة التي هي إلهيّة ، ولا سبيل لقوّة بشريّة أن تنال قوّة إلهيّة بالمساواة ، فأما التشبيه والتقريب والتّلبيس ، فيمكن أن يكون بالصّناعة شيء كأنّه ذهب أو فضّة ، وليس هو في الحقيقة ، لا ذهب ولا فضّة ، وإذا كان ظهور القطن بالطّبيعة وظهور الثوب بالصّناعة فليس لهذه أن تعرض لهذه ، ولا لهذه أن تعرض لهذه ، والأمور موزونة ، والصناعات متناهية ، فإن ادّعى في شيء من الصناعة ما يزيد عليها حتى تكون كأنها الطبيعة ، احتيج إلى برهان واضح ، وإلى عيان مصرّح ، لأنّا نعلم أنّه ما من صناعة ولا علم ولا سياسة ولا نحلة ولا حال إلا وقد حمل عليها ، وزيد فيها وكذب من أجلها بما إذا طلبت صحّته بالبرهان لم تجد ، أو بالعيان لم تقدر . فأما أصحاب النّسك ومن عرف بالعبادة والصّلاح ، فقد ادّعى لهم أن الصّفر يصيّر لهم ذهبا ، وشيئا آخر يصيّر فضة ، وأن اللّه عزّ وجلّ يزلزل لهم الجبل وينزل لهم القطر ، وينبت لهم الأرض ، وغير ذلك مما هو كالآيات للأنبياء الذين يأتون من قبل اللّه بالكتب والوصايا والأحكام والمواعظ والنصائح ، وربما يسمّي كثير من الناس ما يظهر للزّهّاد والعبّاد من هذا الضرب كرامات ولا يسمّيها معجزات ، والحقائق لا تنقلب بالأسماء ، فإن المسمّى بالكرامة هو المسمّى بالمعجزة والآية .