تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
قيل له : إن أبا زيد قد عمل كتابا في أخلاق الأمم . قال : قد رأيته وقرأته وقد أفاد ، وكلّ من تكلم على طريقة الحكماء الّذين يتوخّون من الأمور لبابها ، ويصرفون عنها قشورها ، فله السابقة والتقدّم على من يخبط كفلان وفلان . ومن جحد بلاغة العرب في الخطابة وجولانها كلّ مجال وتميّزها باللسان فقد كابر . ومن أنكر تقدّم يونان في إثارة المعاني من أماكنها وإقامة الصناعات بأسرها ، وبحثها عن العالم الأعلى والأوسط والأسفل فقد بهت . ومن دفع مزيّة الفرس في سياستها وتدبيراتها وترتيب الخاصّة والعامّة بحقّ ما لها وعليها فقد عاند . وهكذا من دفع ما للهند . فليس من شخص وإن كان زريّا قميئا إلّا وفيه سرّ كامن لا يشركه فيه أحد ، وإذا كان هذا في شخص على ما قلنا ، فكيف إذا نظرت إلى ما يحويه النوع . وهكذا إذا ارتقيت إلى الجنس ، وهذا لأن عرض الجنس أوسع من عرض النوع ، كما أن عرض النوع أوسع من عرض الشخص ، وليس دون الشخص تحت ، كما أنه ليس فوق الجنس فوق . وأما انقسام هذه الثلاثة على هذا فليكون فضاء العالم غاصّا بالطّرف والوسط والأفق وليكون سحّا بالغا من المصدر إلى المورد . وعلى هذا لولا الجنس لم يوجد نوع ، ولولا النوع لم يوجد شخص . وكذلك العكس . قال أبو سعيد الطبيب : أللعالم العلويّ أجناس وأنواع وأشخاص ؟ قال : كيف يخلو العالم العلويّ من هذا التقسيم ، وإنما هذا الذي لحقنا في العالم السّفلي حكاية ذلك العالم العلويّ حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة . فقال له مستزيدا : فهل في البسائط الإلهيّة أجناس وأنواع وأشخاص ؟ فقال : لا ، إلا أنّ يتخذ شيء من هنالك قراره في معارض العالم السّفليّ بقوّة العالم العلويّ ، وذلك كالبرق إذا خطف ، والنسيم إذا لطف . قال : فهل ينال البسائط نقص بالإخبار بالأجزاء المركبة عنها كما ينال المركّبات كمال بالأجزاء البسيطة عنها ؟ فقال ، لا ، لأنّ ما علا يؤثّر ولا يقبل التأثير ، وما سفل يتأثّر . ألا ترى أنّ ما علا من الكواكب لا يتّصل بشيء دونه ، وما سفل منها يتصل بما علا عنه . وقال له أيضا : إذا قلنا : الرّوحانيّات ، فما ذا ينبغي أن يلحظ منها ؟ فقال : الروحانيات على أقسام ، فقسم منها متبدّد في المركّبات من الحيوان والجماد ، وقسم منها مكتنف للحيوان والجماد ، وبحسب هذا الاكتناف هو أبسط وألطف من القسم الأوّل المتبدّد ، وقسم منها فوق القسم المكتنف ، وهو الّذي منه