تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
سنة أربع [ ( 1 ) ] وتسعين ومائة أثرت به ، وأنهكت بدنه ، واشتدّ ألمه ، وتمادى به وجعه ، فذكر البيعة لابنه المأمون . فلما سمعت بذلك زبيدة ، وكان ابنها منه محمد الأمين ، هجرته وتغاضت عنه ، وأكربها ذلك وغمها ، حتى ظهر ذلك عليها ، وبدا أثر الغمّ في وجهها ، ودخلت عليه تعاتبه في ذلك أشدّ المعاتبة ، وتؤاخذه أعنف المؤاخذة . فقال لها الرشيد : ويحك ! إنما هي أمة محمد ، ورعاية من استرعاني اللَّه تعالى مطوّقا بعنقي وقد عرفت ما بين ابني وابنك ، ليس ابنك يا زبيدة أهلا للخلافة ، ولا يصلح للرعاية . قالت : ابني واللَّه خير من ابنك ، وأصلح لما تريد ، ليس بكبير سفيه ، ولا صغير فهيه ، وأسخى من ابنك نفسا ، وأشجع قلبا . 399 فقال هارون : ويحك ! إن ابنك قد زينه في عينك ما يزين الولد في عين الأبوين ، فاتقي اللَّه ، فو اللَّه إن ابنك لأحبّ إليّ ، إلا أن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلا ، ولها مستحقا ، ونحن مسؤولون عن هذا الخلق ، ومأخوذون بهذا الأنام ، فما أغنانا أن نلقى اللَّه بوزرهم ، وننقلب إليه بإثمها ، فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ابني وابنك ، فقعدت معه على الفراش ، فدعا ابنه عبد اللَّه المأمون ، فلما صار بباب المجلس سلم على أبيه بالخلافة ، فأذن له بالجلوس فجلس ، وأمر له فتكلم ، فحمد اللَّه على ما منّ به عليه من رؤية أبيه ، ورغب إليه في تعجيل الفرج مما به ، ثم استأذن في الدنوّ من أبيه ، فدنا منه ، وجعل يلثم أسافل قدميه ويقبل باطن راحتيه ، ثم انثنى ساعيا إلى زبيدة ، فأقبل على تقبيل رأسها ، ومواضع ثدييها ، ثم انحنى إلى قدميها ، ثم رجع إلى مجلسه . فقال الرشيد : يا بنيّ إني أريد أن أعهد إليك عهد الإمامة ، وأقعدك مقعد الخلافة ، فإنّي قد رأيتك لها أهلا وبها حقيقا ، فاستعبر عبد اللَّه المأمون باكيا ، وصاح منتحبا يسأل اللَّه العافية من ذلك ، ويرغب إليه أن لا يريه فقد أبيه . فقال له : يا بنيّ إني أراني لما بي وأنت أحقّ ، وسلم الأمر للَّه ، وارض به ، واسأله العون عليه ، فلا بدّ من عهد يكون في يومي هذا . فقال عبد اللَّه المأمون : يا أبتاه ، أخي أحقّ مني وابن سيدتي ، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الأمر مني ، ثم أذن له فقام خارجا . ثم دعا هارون بابنه محمد ، فأقبل يجرّ ذيله ، ويتبختر في مشيته ، فمشى داخلا بنعليه قد نسي السلام ، وذهل عن
هامش
[ ( 1 ) ] كذا بالأصل ، انظر بعد أسطر ما سنلاحظه في وقت وفاته .