قال : واذكري يا أمّ الرشيد أليتك : أن لا شفعت لمقترف ذنبا . قال سهل بن هارون : فلما رأته صرّح بمنعها ، ولاذ من مطلبها ، أخرجت له حقا من زمرّدة [ ( 1 ) ] خضراء ، فوضعته بين يديه ، فقال الرشيد : ما هذا ؟ ففتحت عنه قفلا من ذهب ، فأخرجت منه خفضه [ ( 2 ) ] وذوائبه وثناياه ، قد غمست جميع ذلك في المسك .
فقالت : يا أمير المؤمنين : أستشفع إليك ، وأستعين باللَّه عليك ، وبما صار معي من كريم جسدك ، وطيب جوارحك ، ليحيى عبدك . فأخذ هارون ذلك فلثمه ، ثم استعبر وبكى بكاء شديدا . وبكى أهل المجلس ، ومر البشير إلى يحيى ، وهو لا يظنّ إلا أن البكاء رحمة له ، ورجوع عنه . فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحقّ ، وقال لها : لحسن ما حفظت الوديعة . قالت : وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين . فسكت ، وطبع [ ( 3 ) ] الحقّ ، ودفعه إليها ، وقال :
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها )
[ النساء : 58 ] ، قالت : يا أمير المؤمنين وقال عزّ وجلّ :
( وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )
[ النساء : 58 ] ، وقال تعالى :
( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ )
[ النحل : 91 ] ، فقال لها : وما ذاك يا أمّ الرشيد ؟
قالت : ما أقسمت لي به يا أمير المؤمنين ، أن لا يحجبك عني حاجب [ ( 4 ) ] . فقال لها : يا أمّ الرشيد ، أحبّ أن تشتريه محكّمة فيه . قالت : أنصفت يا أمير المؤمنين ، وقد فعلت غير مستقيلة لك ، ولا راجعة عنك . قال : بكم ؟ قالت :
برضاك عمن لم يسخطك . قال : يا أمّ الرشيد ، أما لي عليك من الحقّ مثل الّذي لهم ؟ قالت : بلى يا أمير المؤمنين ، إنك لأعزّ عليّ ، وهم أحبّ إليّ ، قال : إذا فتحكمي في ثمنه بغيرهم . قالت : بلى وقد وهبتكه وجعلتك في حلّ منه ، وقامت عنه ، فبقي الرشيد مبهوتا ، ما يحير لفظة . قال سهل : وخرجت عنه فلم تعد إليه ، ولا واللَّه إن رأيت عيني لعينها عبرة ، ولا سمعت أذني لنعيها أنة .
قال سهل : وكان الأمين رضيع يحيى بن جعفر ، فمتّ إليه يحيى بن خالد بذلك ، فوعده استيهاب أمه إياهم ، ثم شغله اللهو عنهم ، فكتب إليه يحيى ،
هامش
[ ( 1 ) ] في العقد : زبرجدة .
[ ( 2 ) ] في العقد : قميصه .
[ ( 3 ) ] في العقد : وقفل .
[ ( 4 ) ] في العقد : أن لا تحجبني ولا تجبهني .