وجدّ ، 381 وخذ بالحزم والكرم ، ودع الإحن ، وانظر أخاك عبد اللَّه فلا يناله منك مكروه ، فقد عفوت عنه . فقال الرشيد : يا أبت ، وتعفو عنه ، وقد أتى ما ذكرت ، وصنع ما وصفت ؟ قال يا بنيّ : وما عليّ أن أعفو عمن أكرمني اللَّه على يديه ، وأرجو أن يغفر لي بصنيعته ، بي إن شاء اللَّه . عليك يا بني بتقوى اللَّه العظيم وطاعته ، فاتخذها بضاعة يأتيك الربح من غير تجارة ، وأوصيك بإخوتك خيرا ، وأهل بيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلم ، أقبل حسناتهم ، وتجاوز عن سيئاتهم ، واغفر زلّاتهم ، وأوصيك بأهل الحرمين خيرا ، فقد علمت من هم ، وأبناء من هم ، أجزل لهم العطاء ، وأحسن لهم الجزاء ، يكافئك اللَّه في الآخرة والأولى .
ثم توفي المهدي من يومه ذاك ، واستخلف الرشيد [ ( 1 ) ] ، وخرج إلى الناس يبايعهم بوجه طلق ولسان سلط ، فبايعوه ببغداد ، وذلك يوم الخميس من المحرم سنة ثلاث وسبعين ومائة [ ( 2 ) ] ، وتمت له البيعة يوم الجمعة في المسجد الجامع ، فلم يختلف عليه أحد . ولا كره خلافته مخلوق ، فأحسن السيرة ، وأحكم أمر الرعيّة ، وكان أوحد أهل بيته ، ولم يشبهه أحد من الخلفاء من أهله ، رحمه اللَّه .
قدوم هارون الرشيد المدينة
قال : وذكروا أنه لما كانت سنة أربع وسبعين ومائة ، خرج هارون حاجا إلى مكة ، فقدم المدينة زائرا قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، فبعث إلى مالك بن أنس ، فأتاه ، فسمع منه كتابه الموطأ ، وحضر ذلك يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن ، ولم يتخلف منهم أحد إلا حضر ذلك الموسم مع الرشيد وسمع وسمعوا من مالك موطأه الّذي وضع ، وكان قارئه يومئذ حبيب كاتب الرشيد .
هامش
[ ( 1 ) ] كذا بالأصل ، وهو خطأ فاحش ، فالمعروف أن المهدي - وإن كان حسب رواية ابن الأثير يريد عزل الهادي عن ولاية عهده وتقديم الرشيد - كان قد كتب بولاية عهده لابنه موسى الهادي ومن بعده لابنه هارون الرشيد . وبعد ما مات المهدي بويع للهادي ، وهو بجرجان ، ثم وافى بغداد لعشر بقين من صفر سنة 169 ( انظر الطبري - اليعقوبي - خليفة - مروج الذهب - ابن الأثير - البداية والنهاية - الأخبار الطوال ) ومات موسى الهادي بعيساباذ نحو مدينة السلام سنة سبعين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول . وكانت خلافته سنة وثلاثة شهور ( مروج الذهب 3 / 397 ) .
[ ( 2 ) ] تقدم أن المهدي مات سنة 169 ه .