تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وما بسط له من ذلك ، حتى أظهر فرحه وزهوه ، ثم قال لجلسائه : هل رأيتم مثل ما أنا فيه ، أم هل أوتي أحد مثل ما أوتيت ؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة والعلم ، والمضي على أدب الحق ومنهاج الصدق في الضمير والمقالة ، وقد قيل : إن اللَّه الجليل ، لم يخل الأرض منذ هبط آدم ، من قائم يقوم بحجة اللَّه فيها ، وكان ذلك الرجل ممن يسامره . قال : أيها الملك ، قد سألت عن أمر أفتأذن لي بالجواب فيه ؟ قال : نعم . قال : أرأيتك هذا الّذي أعجبك مما عليه اطلع نظرك ، واستطال ملكك وسلطانك ، أشيء لم يزل لك ولم يزل عنك ، أم شيء كان لغيرك ، فزال عنه إليك ، ثم هو صائر إلى غيرك كما صار إليك ؟ قال الملك : بل كما ظننت ومثلت . قال : فإنّي أراك أعجبت بما يفنى ، وزهدت فيما يبقى ، وسررت بقليل ، وحسابه غدا طويل . قال : ويحك فكيف المطلب ، وأين المهرب ، وما الحيلة في المخرج ؟ قال : إحدى خصلتين ، إما أن تقيم في ملكك ، فتعمل فيه بطاعة ربك على ما سرّك وساءك وأمضّك ، 335 وإما أن تضع تاجك ونجادك ، وتذكر ذنوبك ، وتلحق في الخلاء بمن يغفر لك ، فتعبد فيه ربك ، حتى يوافيك أجلك ، وتنقضي مدتك ، وأنت عامل لربك فيما يعطيك . قال : فإذا فعلت ذلك فما لي ؟ فقال : ملك خالد لا يفنى ، ونعيم لا ينقضي ، ومزيد وكرامة ، وصحة لا تستقيم [ ( 1 ) ] أبدا ، وسرور لا ينصرم ، وشباب لا يشوبه هرم ، وقرار لا يخالطه همّ . قال الملك : سأنظر إلى نفسي في الاختيار لها مما ذكرت لي ، فإذا كان وقت السحر ، فاقرع عليّ بابي لتعرف رأيي ، فإنّي مختار إحدى المنزلتين ، فإن أقمت في ملكي ، واخترت ما أنا فيه ، كنت وزيرا لا تعصى ، وإن خلوت كنت رفيقا لا تجفى . فلما كان السحر ، قرع عليه بابه ، فإذا هو قد وضع تاجه ، ولبس أطماره [ ( 2 ) ] ، فلحقا بالجبل ، فلم يزالا يعبدان اللَّه فيه ، حتى بلغ أجلهما ، وانقضى عمرهما [ ( 3 ) ] . فبكى هشام حتى بلّ لحيته ، ثم نكس رأسه طويلا ، ثم أمر بنزع أبنيته وانتقاله ، وأقبلت العامة من الموالي على ابن الأهتم ، فقالوا له : ما أردت لأمير المؤمنين ، أفسدت عليه لذّته ، ونغصت عليه
هامش
[ ( 1 ) ] في عيون الأخبار : لا تسقم . [ ( 2 ) ] الأطمار : الثياب البالية . وفي عيون الأخبار : أمساح ، وهو الكساء من شعر كثوب الرهبان . وفي معجم البلدان : لبس المسوح . [ ( 3 ) ] الخبر في عيون الأخبار 2 / 341 - 342 باختلاف . وفي معجم البلدان ( مادة : خورنق ) وفيه أن هذا الملك هو النعمان .