لكن قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
« 1 » الآية ، لما اشتمل على تقسيم نفس آيات الكتاب إلى المحكمات والمتشابهات علمنا أن المراد بالإحكام والتشابه هاهنا غير ما يتصف به تمام الكتاب
[ الأقوال في معنى المحكم والمتشابه ]
وكان من الحري البحث عن معناهما وتشخيص مصداقهما من الآيات ، وفيه أقوال ربما تجاوزت العشرة :
أحدها : أن المحكمات هو قوله تعالى : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
« 2 » إلى آخر الآيات الثلاث والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود
، وهي الحروف المقطعة النازلة في أوائل عدة من السور القرآنية مثل ألم والر وحم ، وذلك أن اليهود أولوها على حساب الجمل ، فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة وعمرها فاشتبه عليهم الأمر نسب إلى ابن عباس من الصحابة .
وفيه أنه قول من غير دليل ولو سلم فلا دليل على انحصارهما فيهما ، على أن لازمه وجود قسم ثالث ليس بمحكم ولا متشابه مع أن ظاهر الآية يدفعه .
لكن الحق أن النسبة في غير محلها ، والذي نقل عن ابن عباس أنه قال : إن الآيات الثلاث من المحكمات لا أن المحكمات هي الآيات الثلاث ، ففي الدر المنثور أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ابن مردويه عن عبد اللّه بن قيس سمعت ابن عباس يقول في قوله منه آيات محكمات ، قال : الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات :
قل تعالوا ، والآيتان بعدها . ويؤيد ذلك ما رواه عنه أيضا في قوله :
آياتٌ مُحْكَماتٌ
، قال : من هاهنا : قل تعالوا إلى آخر ثلاث آيات ، ومن هاهنا :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
إلى آخر ثلاث آيات ، فالروايتان تشهدان أنه إنما ذكر هذه الآيات مثالا لسائر المحكمات لا أنه قصرها فيها .
وثانيها : عكس الأول وهو أن المحكمات هي الحروف المقطعة في فواتح السور والمتشابهات غيرها
. نقل ذلك عن أبي فاختة حيث ذكر في
هامش
( 1 ) آل عمران - 7 .
( 2 ) الأنعام - 152 .