ويقودنا هذا إلي إيحاء من نوع آخر لا يعود إلي أصوات الكلمات ، إنما يعود إلي الدلالات الهامشية للألفاظ والعبارات ، فما كان من هذا الإيحاء حسنا جاء حرص النص عليه بالألفاظ ، وما كان سيئا ممجوجا أطرح النص ما يؤدي إليه من ألفاظ أو عبارات ومن ذلك ما يلي :
1 - في المقابلة بين قصة زكريا وقصة مريم في سورة آل عمران ، سأل زكريا ربه :
" أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ "
( آية 40 ) وسألت مريم ربها
" أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ "
( 47 ) فأجاب زكريا بقوله :
" كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ "
وأجاب مريم بقوله :
" كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ "
. ذلك أن التعبير بلفظ " يفعل " في حالة زكريا لا يثير خواطر سيئة ، لأن زكريا وامرأته زوجان فلا شبهة إن حملت المرأة ، لأن زوجها بجانبها ، وقد كان إخصابها بواسطة تسخير زوجها لذلك والتسخير والإخصاب من فعل اللّه ، أما في حالة مريم فإن التعبير بلفظ " يفعل " ربما أثار خواطر سيئة فاللفظ غير مناسب ، ومن هنا جاء الفعل " يخلق " .
2 - في قصة يوسف :
" وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ "
( يوسف : 20 ) للفعل " شرى " معنيان ضدان :
أ - أول المعنيين " اشترى " ومنه قول عنترة :
حصاني كان دلال المنايا * فخاض غمارها وشرى وباعا
فالطباق بين " شرى " " وباع " يدل علي أن " شري " بمعني " اشتري " .
ب - الثاني معني " باع "
وهو المعنى المقصود في هذه الآية وقرينة المعني لفظ " بثمن " ، وكذلك لفظ " الزاهدين " لأن الزهد في شيء يتنافى مع شرائه ودفع الثمن له ، ولكن ينسجم مع بيعه ، ولكن الآية ( تكريما لنبي اللّه يوسف ) لم تعبّر عن بيعه بلفظ البيع الذي يكون للعبيد ، وإنما جاءت بلفظ هو من الأضداد ، ليكون التعبير به تخفيفا لوقع العبارة في النفس .
ج - " وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ "
( يوسف 23 ) .