فلنتحدث في شئ من معاني القصص وما فيه من أفكار جديدة ، فإذا قوله سبحانه في قصة نوح :
" وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ "
( سورة الصافات : 74 - 76 ) إلي أن يقول :
" وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ "
( سورة الصافات : 78 ، 79 ) ولعلّه لا جديد في أصل المعني ، وإنما هو إخبار عن نوح بأنه سأل ربه والمسؤول مصرّح به في سورة نوح :
قال :
" قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً "
( سورة نوح : 21 ) إلي أن قال " وقال نوح :
" رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً "
( سورة نوح : 26 ) ، ولكن هذا المعنى العجيب : " وتركنا عليه في الآخرين .
سلم علي نوح في العلمين " هو موضع الجدة الرائعة ، فهذه فكرة مستجدة وإيماءة من القرآن مستمدة ، فإنها تضيف جديدا إلي المعاني التي لم يسبق إبرازها من قبل ، وهو أن اللّه سبحانه ترك علي نوح في سائر الأمم أن يسلموا عليه إلي الأبد الآبدين ودهر الداهرين . . . فلننظر كيف أن اللّه سبحانه قد سمّي ذلك التقدير العالمي والثناء الإنساني : " تركنا علي نوح في العلمين " وعن مثل هذا المعنى عبّر اللّه سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام وهو يسأله . فيقول :
" وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ "
( سورة الشعراء : 84 ) بمعني الذكر الحسن والثناء الجميل ، ولكن التصوير مختلف في المقامين ، مع أنه في كل منهما رائع وجميل ، وتلك من معارف الأنبياء التي تهدي إليها الفطانة ، وتكشف عنها الزكانة ، ويصوّرها القرآن ذلك التصوير ليلهمنا إياه كما ألهمه نبيه ومصطفاه 22 .
ويتصل بذلك أن يقوم سبحانه :
" وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ "
( سورة الزخرف : 26 - 28 ) .
ما معنى
" جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ "
إنها تفيد معني كريما . .
وهو أن إبراهيم عليه السلام ركّز علي معني التوحيد ونفي الشرك ، كما قال سبحانه في تصوير آخر :
" إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ