في المواعدة دخلها الاحتمال أن تكون من غير المواعدة فأعاد ذكر " الأربعين " نفيا لهذا الاحتمال ، وليعلم أن جميع العدد للمواعدة .
وإن قال قائل : إذا كان زمن المواعدة أربعين فلم كانت " ثلاثين " ثم عشرا ؟
أجاب ابن عساكر 63 : بأن العشر إنما فصل من أولئك ؟ ليتحدّد قرب انقضاء المواعدة ، ويكون فيه متأهبا مجتمع الرأي ، حاضر الذهن ؛ لأنه لو ذكر " الأربعين " أولا لكانت متساوية ، فإذا جعل العشر فيها إتماما لها استشعرت النفس قرب التمام ، وتجدّد بذلك عزم لم يتقدم . .
ولكن المواعدة في سورة البقرة وردت أربعين ليلة ولم يفصل العشر منها :
" وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً "
( سورة البقرة : 51 ) . . وذلك لأنه قصد في " الأعراف " ذكر صفة المواعدة والإخبار عن كيفية وقوعها فذكر على صفتها ، وفي " البقرة " إنما ذكر الامتنان على بني إسرائيل بما أنعم به عليهم فذكر نعمه عليهم مجملة ، فقال :
" وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ "
( البقرة : 50 ) ،
" وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ "
( البقرة : 49 ) .
5 - الخروج على خلاف الأصل : فالأصل في الأسماء أن تكون ظاهرة ، وأصل المحدث عنه كذلك . والأصل أنه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق ، والخروج على الأصل في تركيب الجملة القصة القرآنية له مقاصد عظيمة منها :
أ - قصد التعظيم : كقوله تعالى في قصة صاحب الجنتين :
" لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً "
( الكهف : 38 ) ، فأعاد ذكر " الرب " لما فيه من التعظيم والهضم للخصم . ومثله في قصة مريم :
" وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ "
( آل عمران : 37 ) .
ب - إزالة الإهانة والتحقير : كقوله تعالى في قصة موسى وفرعون :
" وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ "
( غافر : 37 )