وذلك فوات بالكلية ، والخوف من قولهم : ناقة خوفاء ، إذا كان بها نقص وليس بفوات . . . وفرق بينهما أيضا بأن الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي قويا ، والخوف يكون من ضعف الخائف ، وإن كان المخوف أمرا يسيرا ، ويدل على ذلك أن الخاء والشين والياء في تقاليبها تدل على العظمة ، قالوا : شيخ للسيد الكبير ، والخيش لما عظم من الكتان ، والخاء والواو والفاء في تقاليبها تدل على الضعف 37
و " لأبى هلال " رأى في الفرق بين الكلمتين يذهب فيه إلى أن الخوف : يتعلق بالمكروه وبترك المكروه ، والخشية تتعلق بمنزل المكروه ولا يسمّى الخوف من نفس المكروه خشية ولهذا قال تعالى :
" وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ "
( الرعد :
21 ) . . . وقال تعالى على لسان " هارون " عليه السلام :
" إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ "
( طه : 94 ) ، وذلك لأنه خشي القول المؤدى إلى الفرقة ، والمؤدى إلى الشيء بمنزلة من يفعله 38 .
إذا فالخوف في رأى " أبى هلال " ، إنما يكون مع التوقع والترقب في موقف مجهول النتائج ظنّي الاحتمالات ، وعليه تكون الخشية خاصة بالحالة التي تصاحب الضرر المتيقن والخطر المشهود ، أي أن الخوف : شعور يتعلق بالضرر المنتظر ، والخشية : حالة تنشأ عند وقوع الضرر المنظور .
وهذا الذي أشار إليه " أبو هلال " في معنى الخوف أشار إليه الراغب في تفسير قوله تعالى :
" إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ "
( سورة فاطر : 28 ) . فقال : عبر بالخشية في جانب العلماء لتيقنهم بعظمة اللّه وعلمهم بجلاله ، ومثله :
" مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ "
( سورة ق : 33 ) أي خاف خوف المتيقن العالم 39 .
وهذه الملاحظات الدقيقة في الفرق بين دلالتيهما معتبرة في الآيات التي تعرضت لذكرهما في القصص الآتية :
أ - قصة " موسى وعبوره البحر " : في قوله تعالى :
" وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى "
( طه : 77 ) .