وهذه المخالفة في التعبير تلفت النظر وتشد الانتباه ، فظاهر السياق يقتضي أن يتوافق التعبير ويطرد اللفظ ليوائم نسق العبارات ، والخروج علي هذا النسق يدل علي أن وراءه حكمة بيان وإحكام معني :
أولا : السنة : ويوحي جرسها في اللغة بمعناها ، وهو معني يدور حول الحدة والقطع ، والضمور والجفاف . . . وجاء بهذا المعني في قوله تعالى :
" وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ "
( سورة الأعراف : 130 ) . أي الشدة والقحط .
ثانيا : العام : وهو من العوم بمعني السباحة والانتشار ، ودلالته دلالة خير ورخاء إذا فالعام زمن مخصوص بالخير موصوف بالرخاء .
وفي ضوء هذا تتكشف بعض جوانب السرّ في اختلافها في لغة القرآن فقد جاء لفظ السنين في قوله :
" تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً "
وقوله :
" ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ "
. أي سبع سنين ، لأن المقام مقام شدة ومعاناة وتقتير في الأوقات وتضييق في الأرزاق يدلّ عليه السياق ويصرّح به المقال ، ويحمل عليه حسن التدبّر لنسق العبارات :
" تَزْرَعُونَ . . .
دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ . .
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ . .
شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ "
. وهي عبارات تصور واقع المعاناة ، وتكشف عن الجدب العام والقحط الطويل .
أما لفظ العام فقد جاء في قوله :
" ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ "
. لأنه مقام الفرج بعد الضيق ، والرخاء بعد الشدة ، والخصب العميم بعد الجدب والجفاف . . .
" وبهذا يتبين لنا أن المخالفة بين لفظيهما مخالفة بيان واختلاف مقام لا مخالفة ترادف واختلاف تنويع في العبارات " 31