الآية الواحدة - على قصرها وإيجازها - منظومة لعدة ألوان بلاغية ، صعّدت في النفس آفاق المعنى ، وجلال الإعجاز ولنصغ لقوله تعالى حكاية على لسان النملة :
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( النمل : 18 ) .
بعد تأمل هذه الآية ، ومجاوزة حالة الانبهار بهذه المخلوقة العجيبة التي تكاد تكون أصغر مخلوقات اللّه حجما ، وأضعفهم شأنا ، كيف نصّبت من نفسها واعظة وحكيمة ! بل إن حالة الانبهار بهذا الجانب تكاد تتضاءل عندما نعمق النظر بهذا التعبير الراقي الموجز الذي تضمن معنى الحذر والاشتفاق ، والإباء ، والذكاء ، واختزل في ثناياه عدة ألوان بلاغية تفوهت بها هذه المخلوقة العجيبة جملة واحدة ؛ فالنملة عندما قالت : « يا » نادت ، « أيها » عيّنت ، « ادخلوا » أمرت ، « مساكنكم » نصّت « لا يحطمنّكم » حذّرت « سليمان » خصّت « جنوده » عمّمت ، « وهم لا يشعرون » اعتذرت ، فيا لها من نملة حصيفة ! فهي قد نطقت بحق ، وحكمت بعدل ! وهذه البلاغة الأدائية على لسان