وما يزال أثر ذلك ظاهرا في فواتح الكتب العلمية لذلك العهد على اختلافها فما تستفتح من كتاب إلا أصبت في مقدمته غرضا من تلك الأغراض التي أشرنا إليها ، أو ما يصلح أن يكون غرضا منها « 1 » ؛ ثم هو أمر ليس أدل على تحقيقه من كتب التفسير ، فإنه لا يعرف في تاريخ العالم كله - من لدن أرخ الناس - كتاب بلغت عليه الشروح والتفاسير والأقوال والمصنفات المختلفة ما بلغ من ذلك على القرآن الكريم ولا شبيها به ولا قريبا منه ، حتى فسرته الرّوافض بالجفر ، على فساد ما يزعمون وسخافة ما يقولون ، وعلى سوء الدعوى فيما يدّعون من علم باطنه بما وقع إليهم من ذلك الجفر « 2 » واستنبط منه
هامش
القرآن بحرف الدجاج . . . ؟ وغدوا عليهم فصفعوهم ؛ فما تخلص أبو خليفة والقوم الذين كانوا معه من أيديهم إلا بعد كد طويل . وتروى هذه النادرة على وجه آخر ، ولكن رواية المسعودي أملح ؛ وكلتا الروايتين إلى مآل واحد ؛ وفي رواية أخرى يقول الرجل العاصي : « إنهم زنادقة يقرءون القرآن على صياح الديكة » .
وروى ابن الأنباري في طبقات الأدباء : أن محمد بن المستنير المعروف بقطرب المتوفى سنة 206 ه - لما صنف كتابه في التفسير ؛ أراد أن يقرأه في الجامع ؛ فخاف من العامة وإنكارهم عليه ، لأنه ذكر فيه مذهب المعتزلة ؛ فاستعان بجماعة أصحاب السلطان ليتمكن من قراءته في الجامع ، والأخبار من مثل ذلك غير قليلة .
( 1 ) ومن ذلك أن ( حكم الشارع ) صار عند المتأخرين أحد المبادئ العشرة لكل فن .
( 2 ) قال ابن قتيبة ( في تأويل مختلف الحديث ) هو جلد جفر ادعوا أنه قد كتب لهم الإمام فيه كل ما يحتاجون إلى علمه ، وكل ما يكون إلى يوم القيامة ، ثم أورد أمثلة من تفسيرهم ، فمن ذلك قولهم في قول اللّه عزّ وجلّ :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً: إنها عائشة رضي اللّه عنها . . . وفي قوله تعالى :فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها: أنه طلحة والزبير ، وقولهم في آية الخمر والميسر : إنهما أبو بكر عمر . وفي آية الجبت والطاغوت : إنهما معاوية وعمرو بن العاص . . الخ الخ ، وكان بعض أهل الأدب يقول ما أشبه تفسير الرافضة للقرآن إلا بتأويل رجل من أهل مكة للشعر ، فإنه قال ذات يوم :
ما سمعت بأكذب من بني تميم زعموا أن قول القائل :بيت زرارة محتب بفنائه * ومجاشع وأبو الفوارس نهشلأنه في رجال منهم . قيل له : فما تقول أنت فيهم قال : البيت بيت اللّه ، وزرارة الحجر . قيل :
فمجاشع ؟ قال : زمزم جشعت بالماء . قيل : فأبو الفوارس قال : أبو قبيس . قيل : فنهشل قال : نهشل أشدها . وفكر ساعة ثم قال : نهشل مصباح الكعبة ، لأنه طويل أسود ، فذلك نهشل . . . ا ه - .
والمراد بالجفر رق صنع من جلد البعير . ومن أراد الاتساع في معرفته فليرجع إلى ما نقله صاحب كشف الظنون في معنى علم الجفر والجامعة وأهل هذا العلم .
وقد كشف ابن خلدون في مقدمته في فصل ابتداء الدول والأمم عن شيء من مسمى هذا الجفر ، ونقل أنه كان جلد ثور صغير . وأن هارون العجلي روى ما فيه عن جعفر الصادق وكتبه في كتاب سماه الجفر ، قال : وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني .
وعندنا أن كل ذلك موضوع وباطل ، وأن الكلام فيه أسلوب من أساليب القصص وضرب من التهويل والمبالغة ، ولا نظن أن علم ما كان وما يكون شيء يسعه أو يسع الرمز إليه جلد ثور ، إلا أن يكون هذا الثور هو الذي قيل فيه إنه كان يحمل الأرض قديما على أحد قرنيه . . . ! .