تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اضواء البيان في تاريخ القرآن — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
واعلم أن افتراء ابن أبي سرح والكاتب الآخر النصراني على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأنه كان يتعلّم منهما افتراء ظاهر « 1 » . وكذلك قوله : « إني لأصرفه كيف شئت ، وإنه ليأمرني أن أكتب له الشيء فأقول له أو كذا أو كذا فيقول نعم » فرية ظاهرة ، فإن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كان لا يكتبه إلّا ما أنزله اللّه ، ولا يأمره أن يكتب قرآنا إلّا ما أوحاه اللّه إليه ، ولا ينصرف له كيف شاء ، بل ينصرف كما يشاء اللّه . وكذلك قوله : « إني لأكتب ما شئت ، هذا الذي كتبت يوحى إليّ كما يوحى إلى محمد ، وأنّ محمدا إذا كان يتعلّم مني فإني سأنزل مثل ما أنزل اللّه » . فرية ظاهرة ، فإن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن يكتبه ما شاء ، ولا كان يوحى إليه شيء . وكذلك قول النصراني : « ما يدري محمد إلّا ما كتبت له » من هذا القبيل ، وعلى هذا الافتراء حاق به العذاب ، واستوجب العقاب . ثم اختلف أهل العلم : هل كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم أقرّه على أن يكتب شيئا غير ما ابتدأه النبي صلّى اللّه عليه وسلم بإكتابه ؟ وهل قال له شيئا ؟ على قولين : أحدهما : أن النصراني وابن أبي سرح افتريا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك كله ، وأنه لم يصدر منه قول فيه إقرار على كتابه غير ما قاله أصلا ، وإنما لمّا زيّن لهما الشيطان الرّدّة افتريا عليه لينفّرا عنه الناس ، ويكون قبول ذلك منهما متوجها ، لأنهما فارقاه بعد خبرة ، وذلك أنه لم يخبر أحد أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول له : هذا الذي قلته - أو كتبته - صواب ، وإنما هو حال الرّدّة أخبر أنه قال له ذلك وهو إذ ذاك كافر عدوّ يفتري على اللّه ما هو أعظم من ذلك . يبيّن ذلك أن الذي في الصحيح أن النصراني يقول : ما يدري محمد إلّا ما كتبت له ، نعم ربما كان هو يكتب غير ما يقوله النبي صلّى اللّه عليه وسلم ويغيّره ويزيده وينقصه ، فظن أن عمدة النبي صلّى اللّه عليه وسلم على كتابه مع ما فيه من التبديل ،
هامش
( 1 ) نفس المصدر السابق ص 119 وما بعدها .
اضواء البيان في تاريخ القرآن — صفحة 87 | صابر أبو سليمان