تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اضواء البيان في تاريخ القرآن — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
حتى ما بقي له عليه السلام اختيار فيما ينزل عليه أو ينقطع عنه ، فقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يكثر عليه ، وقد يفتر عنه أحوج ما يكون إليه . ثم ها هو ذا الوحي ينقطع عن النبي وهو أشدّ ما يكون إليه شوقا ، وله طلبا فبعد أن نزل عليه جبريل بأوائل سورة العلق :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
فتر الوحي ثلاث سنين ، فحزن النبيّ - كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدّى له جبريل فقال : يا محمد أنت رسول اللّه حقا ، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه ، وبينا هو ماش ذات يوم إذ سمع صوتا من السماء فرفع بصره ، فإذا الملك الذي جاءه بحراء فرعب منه فرجع إلى زوجته الوفيّة خديجة يقول : زمّلوني ، فأنزل اللّه :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
، فمي الوحي وتتابع واستبشر النبيّ وتبدّل انتظاره الحزين فرحة غامرة ، وأيقن أن هذا الوحي الذي استعصى عليه ولم يوافه طوع إرادته مستقل عن ذاته خارج عن إرادته ، فاستقر في ضميره الواعي . إن مصدر هذا الوحي هو اللّه علام الغيوب . وفي الصحيحين : أن الوحي فاجأه وهو يقظ يلتمس الحقيقة ويبحث عن اللّه ، ولذلك رعب وجاء خديجة يرجف فؤاده . ولو وقع له هذا في المنام كما ذهب إليه بعض المفسّرين لزال خوفه ورعبه بعد اليقظة . فلأمر ما قال القرآن :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى * أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
. بهذه الحساسية الواعية المرهفة صورت السيدة عائشة بدء الوحي فقالت : « أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه « 1 » الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله يتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها - وصار على هذا النمط - حتى جاءه الحق ، وفي رواية : « فجأه الحق » - وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال : « اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ » .
هامش
( 1 ) يتحنث أي يتعبد .