وقيل في منثور الحكم : من أطاع هواه أعطي عدوّه مناه « 1 » . وقال بعض الحكماء : العقل صديق مقطوع « 2 » والهوى عدوّ متبوع « 3 » وقال بعض البلغاء :
أفضل الناس من عصى هواه وأفضل منه من رفض دنياه . وقال هشام بن عبد الملك « 4 » بن مروان :
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى * إلى كل ما فيه عليك مقال
قال ابن المعتز رحمه اللّه : لم يقل هشام بن عبد الملك سوى هذا البيت وقال الشاعر :
إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى * فقد ثكلته عند ذاك ثواكله « 5 »
وقد أشمت « 6 » الأعداء جهلا بنفسه * وقد وجدت فيه مقالا عواذله « 7 »
وما يردع النفس اللجوج « 8 » عن الهوى * من الناس الا حازم الرأي كامله
ولما كان الهوى غالبا وإلى سبيل المهالك موردا جعل العقل عليه رقيبا
هامش
( 1 ) مناه : أي أنواع ما قصده وأراده عدوه منه .
( 2 ) مقطوع : يقطعه كثير من الناس لمنعه عن الشهوات .
( 3 ) متبوع : يتبعه كثير من الناس لاغرائه على الشهوات .
( 4 ) هشام بن عبد الملك : بن مروان : من ملوك الدولة الأموية في الشام ، ولد بدمشق ، وبويع فيها بعد وفاة أخيه يزيد سنة 105 ه - وخرج عليه زيد بن علي بن الحسين سنة 120 بأربعة عشر ألفا من أهل الكوفة ، فوجه إليه من قتله وفل جمعه . ونشبت في أيامه حرب هائلة مع خاقان الترك فيما وراء النهر ، انتهت بمقتل خاقان ، واستيلاء العرب على بعض بلاده ، واجتمع في خزائنه من المال ما لم يجتمع في خزانة أحد من ملوك بني أمية في الشام ، وبنى الرصافة ( على أربعة فراسخ من . . . ) وهي غير رصافتي بغداد والبصرة ، وكان يسكنها في الصيف وتوفي فيها سنة 125 ه - وكان حسن السياسة ، يقظا في أمره ، يباشر الأعمال بنفسه . من كلامه : « ما بقي عليّ من لذات الدنيا إلا أخ أرفع مئونة التحفظ بيني وبينه » . وهو عاشر ملوك الدولة الأموية .
( 5 ) تواكله : جمع ثاكلة ، يقال : ثكل فلان الحبيب ، أو الولد إذا فقده ، وبابه علم .
( 6 ) أشمت الأعداء . . . : جعل أعداءه فرحين لجهالته .
( 7 ) عواذله : جمع عاذلة . والعذل الملامة ، وقد عذله من باب نصر .
والاسم العذل بفتحتين ، أسند الثكل والعذل إلى جماعة النساء لأنهما من الأوصاف الغالبة فيهن .
( 8 ) اللجوج : كصبور : صيغة مبالغة من اللجاج ، وهو العناد والتمادي فيما هو ممنوع .