الباب الأول تاريخ النبات في جزيرة العرب
لما كانت العرب تسكن البوادي ؛ كانت على شئ كثير من صحة الأجسام ، وتوقد الذكاه ، وجودة الفطنة ، ونقاء القرائح ؛ لما أكسبهم اللّه من صفاء الجو ، ونقاء الفضاء ، وكانت تجول الأرض ، وتتخير البقاع ، وترتاد المواطن ، وتسكن الأغوار ؛ كغور بيسان ، وغور غزّه من بلاد فلسطين والأردن وبلاد الشام ؛ وكانت لهم عدا ذلك مياه يجتمعون عليها ومقاطع يعرجون عليها ، وكانت لهم التهائم ؛ وأنجاد الأرض ؛ والبقاع والقيعان والوهاد ، وغيرها من البلاد المعروفة لهم ، والمياه المشهورة بهم ، كماء ضارج ، وماء العقيق ، والسلباط ، وما أشبه ذلك من المياه ؛ لذلك كان وصفهم لما يقع تحت نظرهم ، وما يحيط بهم من سماء ، وأفلاك ، وأنواء ، ونجوم ، ودارات ، وجماهير ، وحيوان ووحوش ، وطير ، وهوام ، ورحل ، ومنزل ، وزرع ، ونبات ، وشجر ، الخ ؛ مما لا يحصره الذهن ، ويضيق عنه الحصر ، وصف الخبير المحنك ، والعليم المجرب .
وكان للنبات والشجر من عنايتهم منزلة الضرورة الماسة لما يحتاجونه منها لرعى ماشيتهم ، يرتادونها في كل مكان ، وينتجعونها حيث وجدت ، ويرحلون إليها صيفا وشتاء .
وكانت هذه النباتات بأسمائها ومسمياتها تشغل حيزا كبيرا من لغتهم ، واتصلت بهاته اللغة اتصالا وثيقا ، فدونت مع اللغة ، وحفظت في دواوينهم جزءا لا ينفصل عنها .
وكان السبب في تدوينها أنه لما اتسعت للعرب الفتوحات واختلطوا بالأعاجم ورأوا اختلاف الآراء ، وانتشار المذاهب ، وتطرق الفساد إلى اللغة ، آل الأمر إلى التدوين والتحصين عملا بقول النبي صلعم : ( العلم صيد والكتابة قيد قيدوا رحمكم اللّه علومكم بالكتابة ) .