العلم والحديثين :
لا مراء أنه لا تعارض مطلقا بين حديث ثابت الصحة عن النبي ( ص ) ، وبين الحقائق ( لا النظريات ، ولا الفرضيات ) المجرّدة . وإنني أرى أن يستفاد من الحقائق العلمية في ترجيح أحد التفسيرين ( أحد الحديثين ) ، إن كان ذلك قابلا لأن يحمل ويحتمل تأويلا صحيحا وفق قواعد اللغة العربية القويمة ، أو الفهم الصحيح لبعض الحوادث التي طرأت على التفسير الثاني ( الحديث الآخر ) . ومما يؤيّد مذهبي هذا أن القدامى من العلماء ، كان فيما شجعهم على اختيار الحديث الثاني ، وحمل الأول عليه ، مقولتهم إنه لا يحتمل أن يتكون الجنين ، وأن تنفخ الروح فيه قبل مئة وعشرين يوما .
لننظر إذا إلى أيّ حديث يتجه العلم ، وأي منحى يختار !
بناء على دراسة مراحل تطور الجنين ، يمكننا أن نخلص إلى النتائج التالية :
1 - مرحلة النطفة ( بالتعبير القرآني ) : تشمل الجنين حتى مرحلة العلقة ، أي أنها تضم الأعراس
Gametogenesis
( النطاف
Spermatogenese
، والبيوض
Ovogeneses
) ، والبيضة الملقحة
Zygote
( النطفة الأمشاج ) ، والجسم التوتي
Morula
، والكيس الأصلي
Blastocyst
. وهذه كلها تتم خلال خمسة أيام . الأمر الذي يتوافق مع الحديث بلفظه الأول .
2 - مرحلة العلقة : تشمل مرحلة التعشيش
Implantation
أي مرحلة تشكل الجنين ثنائي الورقة
Bilaminar embryo
، وتشمل أيضا الجنين ثلاثي الورقة
Trilaminar embryo
. وهي تمتد خلال الأسبوعين الثاني والثالث من عمر الجنين . وبالتالي فإن الأمر يبقى متناسبا مع اللفظ الأول ، خلافا للّفظ الثاني .
3 - مرحلة المضغة : وهي تمتد من مرحلة العلقة وحتى ظهور العظام ( كما أشارت إلى ذلك الآية الكريمة ) . وإذا علمنا أنه خلال الأسبوعين السادس والسابع يصبح الجنين إنساني المظهر ، إذ إن عظامه تكون قد ظهرت بوضوح ، يصبح تحديد مرحلة المضغة هذه ( والتي امتدت حتى الأسبوع السادس ) متناسبا مع الحديث بلفظه الأول كذلك .
النتيجة : الحديث بلفظه الأول هو المقبول والصحيح ، أما اللفظ الثاني فقد جانبه الصواب ! ألأ أنه هكذا يبدو ظاهريا . ولكن لنتأمل كيف يمكن أن يفسر هذا الحديث النبوي الكريم - بلفظه الثاني - خاصة إذا علمنا أنه حديث صحيح ورد في أصح كتب السنّة ، ألا وهو صحيح الإمام البخاري .