بصياغتها صياغة يقبلها منطق اللغة العربية إذ لم يتمكّن المترجم من العثور على المقابل العربي لكلّ الأسماء اليونانية الواردة في كتاب الحشائش « 24 » .
وقد اتّفق أن وجّه إمبراطور بيزنطة سفارة إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر عام 337 ه / 948 م وبعث معها بتحف وهدايا من ضمنها نسخة إغريقية من كتاب الحشائش لديسقوريدس محلّاة بصور الأعشاب ، وسرّ الخليفة بهذه الهدية النفيسة وأبدى اهتمامه الكبير بها وتاقت نفسه إلى ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية ، ولما لم يكن بقرطبة أحد يحسن اللسان الإغريقي فقد طلب عبد الرحمن الناصر من عاهل القسطنطينية أن يبعث إليه برجل يتقن الإغريقية واللاتينية ، فأجابه إلى طلبه وأوفد إليه راهبا اسمه نقولا ، فما ان وصل إلى قرطبة عام 340 حتى عيّن الخليفة هيأة علمية من الأطباء الأندلسيين العارفين بأشخاص النّبات والحيوان ، ومنهم عبد الرحمن ابن الهيثم ، ومحمّد الشجّار ، وحسداى بن شبروط الإسرائيلي ، وأبو عثمان الحزاز الملقّب باليابسة ، ومحمّد ابن سعيد ، والبسباسي ، وأبو علي الصقلي الذي كان يعرف اللغة اللاتينية ، وأكبّت هذه الهيئة على العمل بمشاركة نقولا الراهب ، فكانوا لا يكتفون بترجمة الألفاظ نقلا عن النص الإغريقي بل كانوا يتحقّقون من ذلك بالوقوف على أعيان النبات في قرطبة والتأكّد من مطابقة الأسماء للصّفات ، وبذلك أمكنهم إيراد المقابل العربي الصحيح لمعظم الأسماء الإغريقية « 25 » .
وقد كانت هذه الترجمة الأندلسية لكتاب « الحشائش » حافزا جديدا دفع المهتمين بالأدوية النباتية إلى مواصلة البحث والتحقيق بهدف إكمال العمل الذي أنجزه النباتي الإغريقي وسدّ ثغراته وإصلاح الترجمة التي صدرت في بغداد ، وسيتبيّن لنا ذلك بوضوح في المؤلّفات التي سنتكلّم عليها فيما بعد . وقبل ذلك أرى من المناسب أن أشير هنا إلى كتاب جليل القدر صدر بالعربية في المشرق ألّفه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري ( 282 ه / 895 م ) « 26 » وسمّاه كتاب « النّبات » أو « أعيان النبات » كما ورد في بعض المصادر ، وهو يحتوي على ستة مجلّدات يتضمن أحدها معجما لأسماء النبات
هامش
( 24 ) ابن جلجل ، مقدمة المحقق ، ص يع - كا ؛ ابن أبي أصيبعة ، 2 : 48 .
( 25 ) عيون الأنباء ، 3 : 75 - 77 .
( 26 ) الزركلي الأعلام ، 1 : 119 ، وقد ذكر مصادر ترجمته ، بروكلمان ، 2 : 230 - 231 .