عن ميثاق المهنة
يذكر في تاريخ الطب قسم أبقراط علي الدوام تجسيدا لأخلاقيات الطبيب والتزامه بالعهد والميثاق . ويجيئ أبو القاسم الزهراوى مثالا عاليا للطبيب المسلم لذي يضطلع بمسئولياته الأخلاقية والعلمية : فمقالته الجراحية آية بينّة على هذا لالتزام الذي دعّمته كذلك توجيهات العقيدة الإسلامية . وجدير بالاهتمام حقا عى الزهراوى بمشكلات مهنته ومخاطرها في زمانه ، والتي لا يزال الكثير منها مثار جدل حتى يومنا هذا ، نذكر منها على سبيل المثال مدى المشروعية في استجابة الطبيب لرغبة مريضة أحيانا أن يضع نهاية لحياته طلبا للراحة من عذاب ألم لا يطاق واحتمال تعرض الطبيب في ذلك لترغيب أو ترهيب ، ومدى حدود السلطة التقديرية للطبيب في التعجيل بالموت إذا اقتضت حالة المريض ذلك ، وبعد استفراغ الجهد في بذل أقصى التحري واستنفاد جميع وسائل العلاج الممكنة .
يبادر الزهراوى فينّبه تلاميذه إلى ما يجب على الطبيب في هذا الشأن ، خاصة وهو أمر أكثر إلحاحا بالنسبة للجراح دون غيره من الأطباء . فهو يقول في مقدمة " الباب الثاني من المقالة الثلاثين : " ينبغي أن تعلموا يا بنّى أن هذا الباب ( يقصد الجراحة بأنواعها ) فيه من الغرر فوق ما في الباب الأول في الكىّ ، ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون التحذير فيه أشد لأن العمل في هذا الباب كثيرا ما يقع فيه الاستفراغ من الدم الذي به تقوم الحياة عند فتح عرق أو شق على ورم أو بط خراج أو علاج جراحة أو إخراج سهم أو شق على حصاة ونحو ذلك مما يصحب كلها الغرر والخوف ويقع في أكثرها الموت . وأنا أوصيكم عن الوقوع فيما فيه الشبهة عليكم فإنه قد يقع إليكم في هذه الصناعة [ ضروب ] من الناس [ يضجرون ] من الأسقام فمنهم من قد ضجر بمرضه [ فهان ] عليه الموت لشدة ما يجد من سقمه وطول بليّته وبالمرض من [ التعذّر ] ما يدلّ علي الموت ، ومنهم من يبذل لكم ما له ويغنيكم به ، رجاء الصحة ، ومرضه قتال . فلا ينبغي