القدرة الحضارية من الملك والأنهار والقوة على البناء وتشييد الصروح كانت هي التي أضلت فرعون وجعلته يستعلي في الأرض بغير حق ، ويجعل أهلها شيعا ، ويذبح أبناء بني إسرائيل . ولما اندحر الطغيان الفرعوني الجبار خلّف وراءه حضارة باذخة ، وكنوزا ثمينة ، لم تغن عنه شيئا حين انحرف عن أمر اللّه عز وجل :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ( 28 ) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ
( 29 ) سورة الدخان .
الحضارات المؤمنة :
أشار القرآن الكريم إلى عدة نماذج من حضارات قامت في ظل الإيمان باللّه نبين منها :
( أولا ) : حضارة سليمان عليه السلام . .
الذي سخر له الجن والإنس والطير ، وسخرت له الريح عاصفة تجري بأمره وعلم منطق الطير ، وأسيلت له عين النحاس الذائب يشكل منها الصناعات ، وتعمل له الجن لقوله تعالى :
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
سبأ / 13 ، وهذه حضارة شاهقة لا تلحق . ومع ذلك كان سليمان عليه السلام في غاية الأدب والتواضع فهدى اللّه بسليمان وهدهده أمّة إلى الإسلام والتوحيد .
( ثانيا ) : حضارة ذي القرنين . .
الذي قال تعالى فيه :
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
الكهف / 84 وهو الذي أقام الردم الهائل بطريقة صناعية فذة
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً
الكهف / 96 أي إنه سد بين الجبلين بسد من حديد أوقدت عليه النار ، وأفرغ عليه النحاس المذاب حتى صار أقوى من الجبلين ؛ ومع هذا التمكن والقوة والحضارة نجده مسلما للّه رب العلمين ، وهكذا يقرر القرآن الكريم ضرورة الدين للإنسان في بداوته وحضارته على السواء وهو أحوج إليه دائما كلما أمعن في سلم الحضارة والرقي . . ولعلنا