وجدها متصلة بالسماء ، وما فيها من الآيات فعرف أن المدبر القادر على أن يمسك الأرض والسماء هو خالق الريح ومحركها إذا شاء وممسكها كيف شاء ، ومسلطها على من يشاء .
وكذلك دلت العين والاذن القلب على هذه الزلزلة ، وعرف ذلك بغيرهما من حواسه حين حركته فلما دل الحواس على تحريك هذا الخلق العظيم من الأرض في غلظها وثقلها ، وطولها وعرضها وما عليها من ثقل الجبال والمياه والأنام وغير ذلك ، وإنما تتحرك في ناحية ولم تتحرك في ناحية أخرى وهي ملتحمة جسدا واحدا ، وخلقا متصلا بلا فصل ولا وصل ، تهدم ناحية وتخسف بها وتسلم أخرى ، فعندها عرف القلب أن محرك ما حرك منها هو ممسك ما امسك منها ، وهو محرك الريح وممسكها ، وهو مدبر السماء والأرض وما بينهما ، وأن الأرض لو كانت ، هي المزلزلة لنفسها لما تزلزلت ولما تحركت ولكنه الذي دبرها وخلقها حرك منها ما شاء . ثم نظرت العين إلى العظيم من الآيات من السحاب المسخر بين السماء والأرض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشيء من الأرض والجبال يتخلل الشجرة فلا يحرك منها شيئا ، ولا يهصر منها غصنا ، ولا يعلق منها بشي يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته وكثافته ، ويحتمل من ثقل الماء وكثرته ما لا يقدر على صفته ، مع ما فيه من الصواعق الصادعة ، والبروق اللامعة ، والرعد والثلج والبرد والجليد ما لا تبلغ الأوهام صفته ولا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه ، فيخرج مستقلا في الهواء يجتمع بعد تفرقه ويلتحم بعد تزايله ، تفرقه الرياح من الجهات كلها إلى حيث تسوقه بإذن اللّه ربها ، يسفل مرة ويعلو أخرى متمسك بما فيه من الماء الكثير الذي إذا أزجاه صارت منه البحور ، يمر على الأراضي الكثيرة والبلدان المتنائية لا تنقص منه نقطة ، حتى ينتهي إلى ما لا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرة بعد قطرة ، وسيلا بعد سيل ، متتابع على رسله حتى ينقع البرك وتمتلي الفجاج ، وتعتلي الأودية بالسيول كأمثال الجبال غاصة بسيولها ، مصمخة الآذان لدويها وهديرها فتحي بها الأرض الميتة فتصبح مخضرة بعد أن كانت مغبرة ، ومعشبة بعد أن كانت مجدبة ، قد كسيت ألوانا من نبات عشب ناضرة زاهرة مزينة معاشا للناس والأنعام ، فإذا أفرغ الغمام ماء أقلع وتفرق وذهب حيث لا يعاين ولا يدرى أين توارى ، فادت العين ذلك إلى القلب فعرف القلب أن ذلك السحاب لو كان بغير مدبر وكان ما وصفت من تلقاء نفسه ما احتمل نصف ذلك من الثقل من الماء ، وإن كان هو الذي يرسله لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر ولا رسله فيما هو أقرب من ذلك ولما أرسله قطرة بعد قطرة بل كان يرسله إرسالا فكان يهدم البنيان ويفسد النبات ، ولما جاز إلى بلد وترك آخر دونه فعرف القلب بالاعلام المنيرة الواضحة أن مدبر الأمور واحد ، وأنه لو كان اثنين أو ثلاثة لكان في طول هذه الأزمنة والأبد والدهر اختلاف في التدبير وتناقض في الأمور ولتأخر بعض وتقدم بعض ولكان تسفل بعض ما قد علا ، ولعلا بعض ما
معجم النبات عند أهل البيت ( ع ) — صفحة 39
مساهمون: عبد الرسول زين الدين
ص٣٩